أخبار الكاريكاتير

“في حب عفت”.. فنانو العالم يستذكرون رسام الكاريكاتير المصري محمد عفت

ترجم عشرات من فناني العالم حضور رسّام الكاريكاتير المصري الراحل محمد عفت “النابض الحيّ” ومحبتهم له إلى بورتريهات كاريكاتيرية رسموها له في معرض جماعي أقيم مؤخرا في مركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا المصرية، مُبرزين فيها روحه المرحة وشخصيته الفنية وأسلوبه الفريد.

وجاء المعرض الدولي حول تجربة رسّام الكاريكاتير المصري تحت عنوان “في حب عفت”، حيث تراصّت رسائل المحبة والامتنان للفنان محمد عفت (1948-2019)، متمثلة في 150 لوحة كاريكاتيرية تعاطت جميعها مع بورتريه الفنان بأسلوب يضاهي أسلوبه وبصمته التصويرية، وقد أنجزها 126 فنانا من 36 دولة، من بينها: مصر، المغرب، تونس، السعودية، الصين، الهند، كوبا، إندونيسيا، التشيك، البرتغال، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، صربيا، بيرو، البرازيل، ماليزيا، أفغانستان، كولومبيا، وغيرها.

قراءة الداخل

 

وفات محمد عفت
كاريكاتير تخلد لمحمد عفت

 

سعى المعرض إلى إنجاز خطوة في سبيل التجسيد الملموس لمبادرة تعزيز التواصل الإنساني من خلال الفن والثقافة وميراث البهجة بين مصر ودول العالم، التي أطلقتها وزارة الثقافة المصرية. وانتظم المعرض بالتعاون بين الجمعية المصرية للكاريكاتير، وقطاع العلاقات الثقافية الخارجية، وسفارتي الصين وكوبا بمصر.

وحملت لوحات المعرض بين طياتها سؤالا مثيرا للفضول والدهشة، وهو “كيف يرسم الكاريكاتيرُ رسّامَ كاريكاتير؟”، وقد أجاب مبدعو فن السخرية والتهكم والتضخيم والمفارقة عن السؤال بمزجهم بين طرقهم الذاتية في التعبير، وتقمّصهم شخصية الفنان عفت وريشته، لتكون البورتريهات التي رسموها له ليست مجرد رصد لخطوط وجهه وملامحه الجسدية، وإنما حمولة خصبة لرؤيته وأفكاره وفلسفته الفنية، وقراءة في طبقاته الداخلية والنفسية.

وأشار الفنان فوزي مرسي، المنسق العام للمعرض، في تصريح لـ”العرب”، إلى أن استلهامات فناني العالم لرسّام الكاريكاتير عفت في البورتريهات التي أنتجوها، انبنت على تفاعلهم مع فنه، وليس على المعرفة المباشرة به، والعلاقات الشخصية معه، فما حملهم على هذه المبادرة الفنية هو دور عفت في تأصيل الكاريكاتير الحديث، وأبجديات اختزانه للفكاهة وتوليدها بطاقة إنسانية مذهلة.

وأوضح مرسي أن أغلبية هؤلاء الفنانين من قارات العالم المختلفة لم يلتقوا عفت وجها لوجه، وإنما غاصوا على مهل في إبداعاته، وهضموا تجربته بتأمل وصبر، بما فيها من حس فطري ونزوع للبراءة واستلهام للثيمات الشعبية والطقوس السحرية وحرص على الصخب اللوني وتقديس المرئي ونبذ الكلمات والعناصر غير المجدية، فكأنما هم جميعا مشحونون بإشعاعات “الباليتة” الخاصة به، فرسموه من منظوره المعروف الراسخ، ومن منظورهم، في الوقت نفسه.

وأكّد منسق المعرض أن عالمية فن عفت ولغته التصويرية المحببة، المفهومة للقاصي والداني، وراء عالمية هذا المعرض الجماعي، الذي جمع ألوان الطيف من سائر أرجاء الأرض، واصفا عفت بأنه “راهب استثنائي، اكتفى بالزواج من الفن، فكان أبا لأجيال من الفنانين المجيدين في داخل مصر وخارجها، ما جعل المعرض تظاهرة لا تتكرّر كثيرا على هذا النحو”.

ثراء بصري

 

استلهامات فناني العالم لرسّام الكاريكاتير عفت في البورتريهات التي أنتجوها،
استلهامات فناني العالم لرسّام الكاريكاتير محمد عفت

 

ارتدى فنانو المعرض إهاب عفت ليطلقوه في بورتريهاتهم خارج البرواز، سواء كان البورتريه للجسد كاملا، كما لدى السعودي أمين الحباره، أو اقتصر على الوجه أو جزء منه، كما لدى معظم الفنانين. وتناول رسّامو الكاريكاتير أبرز ما امتلكه عفت، وهو قلمه المسنون، المحفور عليه علم مصر، والذي يطير به كصاروخ إلى الفضاء، كما في لوحة الفنان شاهد عتيق الله، من أفغانستان.

المعرض الجماعي استحضر الفنان المصري في 150 لوحة بأنامل 126 مبدعا من 36 دولة عربية وأجنبية

خرج الفنانون بالبورتريه من القياسات الحسابية النمطية، فهو بورتريه كاريكاتيري في الأساس، ولرسّام اعتمد التضخيم والتصغير في مدرسته التعبيرية، وتحوّل رأس عفت إلى كوكب ضخم مليء بالأفكار على جسد فرعوني يحتفي بالقلم والأوراق، في لوحة البرتغالي بيدرو سيلفا، فيما أبرز الفنان الصيني ليو زيكيانج هذا الرأس كتمثال صخري عملاق، يُجاور الأهرامات، ويتطلع إليه البشر، ومن عينيه تقفز الأفكار الطازجة الساخنة.

التزم الفنانون بمنهج عفت في الاستغناء عن التعليقات، وملء فراغ اللوحة بدسامة الخطوط والألوان، والميل إلى التجسيم وإبراز الأشكال كمنحوتات متعدّدة الأبعاد، وتحويل اللقطات إلى مواقف تفاعلية ديناميكية، كما في لوحة الفنان الهندي راجيندرا كومار، التي امتطى فيها عفت بساط الريح صوب السماء، حاملا ريشته التي تنزّ حبرا، ومطلقا من فمه ابتسامة الشمس الزاهية.

وعكست لوحات المعرض الزاخمة الذيوعَ الخارجي اللافت لتجربة محمد عفت، صاحب المدرسة الخاصة في فن الكاريكاتير، القائمة على الثراء الإنساني والبصري واللوني، والاعتماد على الصورة والحركة والخفة لتفجير المشهد دراميا، والنفاذ إلى العمق والجوهر من خلال البساطة والتناقض والمواقف المضحكة الساخرة التي لا تحتاج إلى شروح إضافية، فالكلمات تقف عاجزة قاصرة أمام التكوين المجرّد.

ومن هذا المنطلق الإنساني الواسع، تمكّن عفت عبر مشواره الحافل من الوصول بالكاريكاتير المصري إلى العالمية، من خلال رسومه النابهة وإسهاماته في الصحف والمجلات ذائعة الصيت، ومنها مجلة “ويتي ورلد” الأميركية، وكذلك عبر تأسيسه ورئاسته فرعا لاتحاد منظمات رسامي الكاريكاتير الدولي بمصر، وإصداره مجلة “الفراعنة” الإلكترونية للكاريكاتير، وحصده جوائز دولية كثيرة، في مسابقة دايجون للكاريكاتير بكوريا الجنوبية، ومسابقة الكاريكاتير الكوميدي الدولي باليابان، ومسابقة الكاريكاتير بتركيا، وغيرها.وانحاز محمد عفت إلى فكرة الرسوم الخالصة، على اعتبار أن “ما يُرسَم لا يُكتب، وما يُكتب لا يُرسم”، وحرّر بريشته فن الكاريكاتير من النكت الاستهلاكية، التي كانت مهيمنة عليه في الربع الأخير من القرن الماضي، مدافعا عن رسالة الكاريكاتير ومتعته الجمالية والذهنية، وموصلا رسومه إلى سائر الشرائح الاجتماعية والثقافات والجنسيات، لأن لغة العين لا تتطلّب أي استعدادات مسبقة، خارج نطاق الإحساس بالصورة واستقبال الحالة المزاجية واستيعاب الفكرة المبسطة.

نقلا عن  العرب اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى