أخبار الكاريكاتير

الفنان الأردني ناصر الجعفري: الكاريكاتير فن الحريات.. وصوت المضطهدين

مهاب نصر –

يولد الفن من مراقبة الواقع، أم من خلال التأثر بعين فنان آخر وريشته؟ غالباً ما يورّث الفنانون الكبار رؤاهم ونظرتهم إلى العالم، وأداءهم لأجيال متشوّقة إلى الفهم والتعبير.

هكذا يمكن النظر إلى ناجي العلي وجيل «العباقرة»، وفق تعبير الفنان الأردني ناصر الجعفري، الذي شقّ لنفسه طريقاً خاصة، رغم الخلفية الثرية والملهمة المتحصلة من هؤلاء الفنانين الكبار. الجعفري الحاصل على دبلوم في الرسم من الولايات المتحدة، اعتبر فن الكاركاتير هو الأقرب إلى التعبير عن قضايا الحرية والدفاع عن المضطهدين.

في حواره مع القبس يقر الجعفري بأن لدينا، نحن أهل الشرق الأوسط، قضايا أكثر غزارة وعمقاً، رغم ما تتمتع به التجربة الأوروبية من حريات. اللقاء مع ناجي العلي وفنّه كان من خلال صفحات الصحيفة ورسومات «حنظلة»، ثم كان بعدها التفرّد والبحث عن الخصوصية.

رحلة الجعفري مع فن الكاركاتير بدأت مع رسومات ناجي العلي التي طالعها في القبس، يقول عن هذه المرحلة: «أعرف أني لم أخطط للأمر، وجدت نفسي في عمر مبكر «متورّطاً» في محبة الرسم، كنت منذ طفولتي أشعر بجاذبية تجاه الكاريكاتير في الصفحة الأخيرة، وكنت أسمع حوار الكبار حول فاكهة الجريدة.. كاريكاتير ناجي العلي وقوته وبلاغته، كنت أجرب الرسم على الجدار بزهر الرمان، وأتابع تغيّر اللون كلما جف بشغف وسعادة، كنت أريد فنا ناطقا، بمعنى رسم يحكي قصة او يحمل موقفاً من دون أن أعرف أن هذا كله يسمى كاريكاتيراً».

الشرق والغرب

لا شك في أن مرحلة الدراسة والحصول على دبلوم من الولايات المتحدة شكّلت منطلقاً جديداً، كما ساهمت في المقارنة بين تجربة هذا الفن في بلادنا. وفي الغرب، عن هذه المرحلة يقول الجعفري: «لم أذهب هناك، كنت أدرس إدارة الأعمال حين قرأت في الصحيفة إعلانا لجامعة أميركية تمنح الدبلوم في الرسم عن بعد، لم أتردد للحظة في الانتساب، كانت تجربة فائقة المتعة في تعلم فن الكاريكاتير أكاديمياً، بمعنى كتب تُقرأ وامتحانات نظرية وعملية وأوراق شفافة تعود مع الرسم تحمل ملاحظات المدرس.

تعلمت مع التقنية أن الكاريكاتير فن حرية ونقد وتحليق في المتمنَّى للناس والمجتمعات، وجدت أن لدينا في الشرق الاوسط قضايا أكثر غزارة، وهو أكثر عمقاً، ما حفزني للبحث أكثر وتحديداً في تجربة أوروبا بالكاريكاتير، حيث الحرية الكبرى وغياب المحرم عن النقد، دخلت أكثر في رسومات أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، عبر ما تيسّر من مجلات وجدت أنني أمام كنز فني معرفي. الدراسة الاكاديمية مكّنتني أكثر من الأدوات وفتحت أفقي أمام اكتساب المعرفة».

تراجيديا إنسانية

تشكّل القضية الفلسطينية محوراً أساسياً، تعاقب عليه فنانون مهمون، فكيف تمكّن الجعفري من استخلاص خصوصية لأعماله؟ يؤكد الجعفري أنه كما أن فن الكاريكاتير هو فن حريات فهو ايضا بالضرورة فن المضطهدين وصوتهم، ويتابع: «أحاول الإنصات أكثر فأكثر.

الجرح الذي أحدثته القضية الفلسطينية في وجداننا كعرب، بل وكبشر، الحالة بطبيعتها تحمل كل مفارقات الدنيا التراجيدية، ومستمرة، بمعنى تجدد الأحداث وديمومتها، تعلمت من «حنظلة» الذي كنت أتابع وأحتفظ برسوماته التي كانت تصل مع جريدة القبس مفاتيح القضية وتفاعلاتها في تلك المرحلة، بدأت طفلا بإعادة الرسومات ومحاولة التغيير، ثم استخدام الرموز نفسها في تشكيل أفكاري البدائية، ثم مع مرور الوقت بدأت أرسم بهويتي وخطي، خرجت باتجاه تكوين شخصيتي الفنية ولم تغادر الفكرة ذهني، إذ ما زلت أعتقد أن التكرار في الرسم عن القضية الفلسطينية أمر ملح، وتكرار مفيد لكون هذه الأرض لم تنعم بعد بسلام او بحقوق، بل وأجد أن الأمر اليوم أكثر إلحاحاً».

حقول ألغام

تواجه الفنان تحديات كثيرة؛ منها الرقابة. فكل رسام محترف، بحسب الجعفري، بات يجيد السير في حقل من الألغام، وربما عليه أن يعرف ضوابط اللعبة حين ينشر، فيقول من دون أن يبوح، وينطق حتى وإن كان رسمه صامتاً، بحسب قوله.

ويؤكد الجعفري أن هذا «يفتح باب التأويل والاجتهاد كحد أدنى، في بعض الدول التي ليست بها أي مؤسسة ديموقراطية أو صحافية غير صحيفة الحزب الحاكم تتطور اللغة البصرية للكاريكاتير وتتوقد الفكرة الإنسانية، انه فن مراوغ وربما محتال، إذ لا يمكن إنهاؤه، بل يأخذ أشكالا مختلفة وفقا للرقابة ونوعها، على الرسام أن يقرأ في كل شيء، وعندها لا يعدم الوسيلة طالما في داخله فن حقيقي».

إرث العباقرة

لا يميل الجعفري إلى فكرة أن أحداً ما يمثل امتداداً لآخر في فن الكاريكاتير، فكل تجربة لها خصوصية الموهبة والمكان والزمان والأدوات وقوة وسيلة النشر، بحسب قوله، ويتابع «أنا من جيلٍ تعلّم في مدرسة ناجي العلي، ثم خرج كل بتجربته الخاصة بما لها وما عليها، للأمانة فقد كانت الساحة خصبة وأكثر جدية في انتاج الكاريكاتير؛ ناجي العلي، محمود كحيل، بهجت عثمان، حاكم، جورج بهجوري، حبيب حداد، صلاح جاهين وغيرهم، حتى من قبلهم كلها تجارب شكّلت بناءً فنيا، استفدت وتعلمت منه، وعالميا لا شك في أن هناك عباقرة أتعلم منهم حتى اليوم وأستفيد من خبراتهم».

بقي الرقيب هنا وهناك

أضافت مواقع التواصل برأي الجعفري منصات واسعة للنشر لمن لا يعمل في صحف «لا سيما أن مساحة الكاريكاتير تتقلّص، بل وتختفي من المطبوعات العربية، أتاحت لكل صاحب تجربة طرحها أمام الآخرين، وتلقّي ردود الفعل المباشرة والتواصل مع تجارب وخبرات من العالم والاستفادة من تقنياتهم»، لكنها من جهة أخرى، بحسب قوله: «لم تضف الكثير؛ لأن سقف الحريات بقي كما هو، الرقيب هنا وهناك ولم تقدم الكثير للفنان للاحتراف، بمعنى التزام مؤسسة، والتفرّغ للفن وتقديم الوقت والجهد، لتطوير هذا الفن».

القبس الكويتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق