أخبار الكاريكاتير

أين أختفى الكاريكاتير؟!

أين أختفي الكاريكاتير؟!


بقلم : عبد الرحمن أبو بكر

بخطوط بسيطة، وبذكاء – وأحياناً خُبث – فنان، تجد ما يدور” داخلك” من مشاعر بسبب “خبر” ما ، مرسوم في مستطيل لا تقل مساحته عن ٥ سم × ١٠ سم ، فتبتسم بشئ من الرضا ؛ لأن أحدهم ما زال يشعر بك ويتحدث نيابة عنك.

صحف كثيرة استطاع “الكاريكاتير” أن يرفع من نسب توزيعها إلى الآف النسخ، وان يجعل المتلقي يبدأ قراءة صحيفته من صفحتها الأخيرة، إلى صفحتها الأولى على عكس العادة.

تطور هذا الفن بمرور الأيام، كأي ” كائن حي” يؤثر و يتأثر. لكن وبالتدريج بدأ في الهبوط و” التلاشي” شيئاً فشئ، حتى أصبح جزء “مكمل ” ، بعد أن كان “حجر أساس”.

لم تكن الظروف المحيطة هي العامل الأساسي – والأوحد – لهذه الظاهرة ، لكن هناك عوامل اخري ، تنطوي على” صانعي ” هذا الفن و متابعيه أيضاً .

مما أدي إلي اتساع ” فجوة” الثقة بين المواطن و صحيفته ؛ لأنها أصبحت لا تُعبر عنهُ ولا عن مشاكله، فأصبح يرى ” صورة ” باهته منه ؛ وأن وجدت.


تاريخ و رواد

بدأ هذا الفن مُنذ قديم الأزل، على جدران المعابد الفرعونية، اما في عصرنا الحديث ، فبدأ إبان الحرب العالمية الأولى، بمجلة ” اللطائف” المصورة عام ١٩١٥ والتي كانت تعتمد على ترجمة الكاريكاتور الأجنبي و نشره على صفحاتها، ثم تطور الأمر بظهور الرسام الإسباني “خوان سانتيس” المدرس بمدرسة الفنون الجميلة آنذاك، فرسم بمجلة ” الكشكول” و غيرها من أصدرات تلك الحقبة الغنية بالأحداث، وكذلك انتشرت أعمال الفنان التركي علي رفقي، و اليهودي ” برني” مبتكر شخصية ” سمير”.

وفي عام١٩٢٩ ابتكر الفنان الأرمني ” ألكسندر صاروخان” بمساعدة السيدة فاطمة اليوسف – روز اليوسف – والصحفي الكبير محمد التابعي، شخصية “المصري أفندي” وهي الشخصية الكرتونية التي كانت تعبر عن ” العقل الجمعي” المصري و قتها، ثم دب الخلاف بين التابعي وروز اليوسف، فانتقل على أثره “صاروخان” إلى دار أخبار اليوم عام ١٩٤٥ رسماً بمجلة آخر ساعة، و زميلاً لأول رسام كاريكاتير مصري الفنان الكبير الراحل محمد عبد المنعم رخا.

ثم صدر العدد الأول من مجلة ” صباح الخير” في 17 يناير 1956 بشعارها الشهير ” للقلوب الشابة والعقول المتحررة ” الذي صاغه ” أحمد بهاء الدين” الذي ترأس تحريرها، وهو أبن السادسة و العشرين، وتعد مجلة روز اليوسف و صباح الخير ” المرحلة الأقوى” في تاريخ فن الكاريكاتير المصري، حيث بزغت نجوم هذا الفن أمثال : زهدي العدوى، عبد السميع عبد الله، محي الدين اللباد، أيهاب شاكر، حجازي، بهجت عثمان، رجائي ونيس، صلاح جاهين، جورج البهجوري، صلاح الليثي، جمعة فرحات، شريف عليش، رمسيس و غيرهم.

و وصف العديد من النقاد الفنيين، رسامى مجلة صباح الخير بــ ” خط الدفاع ضد العدوان الإسرائيلي”. نظراً للرسومات التى أبدعوها فى الفترة من نكسة يونيو 1967 حتى انتصار أكتوبر 1973.

حيث حرصت المجلة وقتها أن تقف بجوار الجيش فى معركته ضد الكيان الصهيونى وعدم الانجراف فى ” السخرية ” التى كانت موجهة ضد الجيش المصرى عقب النكسة .

وعلى صعيد أخر كانت ” أخبار اليوم” تؤكد مدرستها “الكاريكاتورية” ، عن طريق أحد أقوى فنانيها مصطفى حسين ،الذي بدأ حياته الفنيه عام ١٩٥٢ بمجلة ” الاثنين و الدنيا” الصادرة عن دار الهلال، ثم جريدة المساء عام ١٩٥٦ حتى عام ١٩٦٣، ثم رساماً بمجلة “آخر ساعة” و جميع أصدرات مؤسسة أخبار اليوم منذ عام ١٩٧٤ و حتى وفاته عام ٢٠١٤. حيث اختير كأحسن ” رسام صحفي” من قبل مجلة صباح الخير عام ١٩٨٠ ولم يكن أحد رساميها.

لمع نجم مصطفى حسين أثناء فترة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، وكان لذلك تأثير كبير على “صنعة” الكاريكاتير، وهو ما سنوضحه بالتفصيل فيما بعد.

ظهرت أيضاً بتلك الحقبة، إحدى التجارب الصحفية المميزة و هي جريدة ” الدستور” التي صدرت عام ١٩٩٥ و ترأس تحريرها إبراهيم عيسى – احد ابناء مؤسسة روز اليوسف – حتى توقفت عن الصدور عام ١٩٩٨. و عاودت الصدور عام ٢٠٠٥ كجريدة أسبوعية، ثم يومية عام ٢٠٠٧.

ترأس قسم الكاريكاتير وقتئذ أثناء الإصدار الثاني للجريدة، الفنان عمرو سليم، والذي يعد صاحب ” اخر ” مدرسة عنت بأظهار نجوم جدد في سماء فن الكاريكاتير مثل : مخلوف، عبد الله، دعاء العدل، وغيرهم . زامل سليم في هذة التجربة الفنان وليد طاهر و الفنان هاني شمس.

جاءت بعدها ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وظهرت موجة من ” السخرية” على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل “اساحبي” و غيرها من الصفحات، التي احتلت مكانة النجوم في عقول المواطنيين المرهقه نفسياً و فكرياً، وظهر على سطح الأحداث، فن “الكوميكس” وهو عباره عن اقتصاص أجزاء من مشاهد احد الأعمال و تركيب نص الكلام عليه. وهو مفهوم مغلوط، بعيد كل البعد عن مفهوم و فن ” الكوميكس” الأصلي.

تراجعت قيمة فن الكاريكاتير كثيراً في تلك الفترة، وقل مبدعيه و استبدل الشعب أو بالأحرى استسهل قبول” الكوميكس” المغلوطة عن الكاريكاتير، ووجدوا فيه سلوتهم في التعبير عن مشاعرهم . أدى هذا الوضع أيضاً إلى تراجع الإصدارات الصحفية بقوة بسبب عزوف المواطنيين عنها، وكانت هي نقطة البداية لاختفاء فن ” الكاريكاتير” بقوه.

دورة حياة

لكل عمل “إبداعي” دورة حياة خاصة به. ففي ” الكاريكاتير” يبدأ الأمر بوجود “موهوب” أولاً ، يرى الأشياء من حوله بطريقة مختلفه. وتحمل خطوطه كماً كبيراً من الغضب الممزوج بالسخرية وغيرها . يأتي بعد ذلك دور ” كاشف المواهب” وهو يحمل طباع خاصة كالموهوب، فهو ” كبير” النفس و الفن أيضاً، واسع المعرفه، يعلم كيف يوجه الموهوب؟ و متى يتركه كي يطور نفسه بنفسه.

فهو يبحث عن ” فلتات” هذا الفن الأصيل من الموهوبيين، من أمثال هؤلاء العظام : عبد الغني أبو العينين، الحسين فوزي، حسن فؤاد، جمال كامل، عبد السلام الشريف، حسين بيكار و غيرهم.

بعدها يتم زرع هذه “البذرة” الصغيرة الموهوبة ، بأرض خصبة مناسبة – إحدى الإصدارات الصحفية – ثم ريها بالغزير من ” التثقيف” و المعرفة اللازمة لتكوين ” وعيها ” ، ويغلف هذا الري بالكثير من” التشجيع و النقد البناء” و التجريب ، يتم كل ذلك داخل مناخ ثقافي مميز .

حتى تصبح تلك ” البذرة” نبته، ثم تأخذ في الكبر، حتى تصبح ” شجرة ” وارفة الظلال، ناضجة ” الثمر” لاذع المذاق. فتبدأ تلك الثمار في التساقط بأنتظام و قوة، كنقاط الماء، فتُفتت “صخور” الجهل، والفساد، والمحسوبية، و الغلاء، وغيرها من الصخور التي تجثم فوق صدر ” المواطن” المصري البسيط.


قيمة و” قامة “

حضر الرئيس الراحل حسني مبارك افتتاح ” المبني الصحفي الجديد لأخبار اليوم” في أوائل التسعينات، بدعوة من رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة الكاتب الراحل إبراهيم سعده، تفاجأ الرئيس بلوحات كاريكاتورية تزين المدخل الرئيسي لبهو المبني، وشخص طويل القامة يقف بجوارهم في خجل و يبتسم للرئيس، توجه هذا الشخص صوب مبارك بعد أن همس إبراهيم سعده بأسمه في أذنه.
مازحه مبارك قائلاً : ما كنتش أعرف انك “طويل” كده يا مصطفى!
فا أستطرد مصطفى حسين بسرعة بديهه : أسف يا ريس، والله ما كنتش أقصد.

فضحك الجميع ، وأبدى الرئيس أعجابه بخطوط الفنان مصطفى حسين و أفكار توءمه الكاتب الكبير أحمد رجب .

وكانت تلك بداية إحدى علاقات الكاريكاتير بالسلطة ونجوم المجتمع ، وكذلك الحال مع رسامي مؤسسة روز اليوسف، فلا تستغرب عندما تعلم ان الموسيقار محمد عبد الوهاب بشخصه قد هاتف الفنان الفنان جورج البهجوري لإيصال رساله من الست ام كلثوم لاستيائها من رسم البهجوري لها بأسلوبه على غلاف الصبوحة.

أو علاقة العم ” أحمد طوغان” الوطيدة بالرئيس السادات و التي ترجع أصولها منذ ان كان ” بكباشي” و كان همزة الوصل بينهم المبدع الكبير زكريا الحجاوي.

تلك العلاقات صبغت “الكاريكاتير” و مبدعيه ، بصبغة نجوم المجتمع الكبار، وهو ما أعلى من قيمة هذا الفن في ذاك الوقت. وبدأ هذا الفن يفقد جزء من بريقه، برحيل احد هؤلاء النجوم، فا انفرطت حبات العقد الفريد، وانفرطت معهم تلك الصبغة، فأصبح الكاريكاتير و فنانيه أشخاص مُجهله، لا يعرفهم أحد و لا يشعر بوجودهم.

لكن” وعي ” هؤلاء الرسامين هو ما جعلهم يعيشون إلى الآن؛ أضعاف ما عاشوا في حياتهم الحقيقة ، فمدرسة مصطفى حسين “الكاريكاتورية” كان لها مريديين كُثر منهم من أصبحوا نجوم الوقت الحالي أمثال الفنانيين : عمرو فهمي، محمد عمر، أحمد عبد النعيم، حسني عباس، ومنهم من جيلي الشاب : اسلام رجب و احمد قاعود. وكانوا جميعهم من مراسلي صفحة “حاول تبتسم” التي كانت تعرض رسوم القراء و كان مصطفى حسين يُعنى بنفسه لإبداء رأيه في أعمالهم.

كذلك صفحة ” بريد القراء” بمجلة صباح الخير التي ارسل لها يوماً أحد الموهوبين رسومه، فأشاد بها الفنان الكبير حسن فؤاد و تنبأ له بمستقبل فني كبير، وقد تحققت نبوءته فيما بعد واصبح هذا الهاوي هو المخرج الكبير الراحل فهمي عبد الحميد، صاحب الروائع الفنية.

وأيضاً مجلة روز اليوسف التي احتوت داخل صفحاتها مجموعة جديدة من الفنانيين مثل :د. شريف عرفه، مصطفى سالم، عماد عبد المقصود و غيرهم.

تلك الصفحات اندثرت اليوم، رغم أهميتها في العثور على مواهب جديدة بالمجال ولم يتبق منه حالياً إلا صفحة “طنش و ابتسم” و التي يشرف عليها الزميل عمرو فهمي، وصفحة الكاريكاتير المتخصصة التي يُشرف عليها الفنان أحمد عبد النعيم، بجريدة المسائية.


” صحافة” بديلة

ألحت فكرة أنشاء “جمعية مصرية للكاريكاتير” بذهن الفنان الكبير زهدي العدوى، ونجح فعلاً في تحقيق هدفهُ في مارس عام ١٩٨٤، وتوالت بعد هذا التاريخ عده محاولات لإصدار “مجلة ” فكاهية مستقلة، الأ أن عائق التمويل المادي دائماً ما كان يفسد الأمر.

إلي أن وفق بعدها بالأتفاق مع مؤسسة روز اليوسف،والجمعية المصرية للكاريكاتير،؛ بأصدار ملحق فكاهي بأسم “كارتون” ، رسم غلاف العدد الأول منهُ، الفنان الكبير عصام الشوربجي، وللأسف لم يستمر الملحق الا لعددين و توقف بعدها.. كديدن ” الصحافة الساخرة ” .

في عام ١٩٩٠ صدر العدد الأول من مجلة “كاريكاتير” برئاسة تحرير كلاً من أحمد طوغان، مصطفى حسين. الصادرة أيضاً عن ” الجمعية المصرية للكاريكاتير” وفي رأيي انها مطبوعة كانت تسبق عصرها بمراحل، فقد حوت داخلها كل رسامي مصر و كاتبيها الساخريين الكبار، فكانت “تربة” خصبة بديلة عن الاصدارات القومية، التي اكتفت بعدد الرسامين المعيينين، فنشا جيل كامل من فناني الكاريكاتير و البورترية المميزين ، ومنذ وفاة الفنان الكبير مصطفى حسين و اعتذاره عن رئاسة الجمعية ، صدرت المجلة في ثلاث أو اربعه أعداد، ثم توقفت نظراً لعدم وجود تمويل أو اعلانات لاستمرارها، وأعتقد أن بوفاة هذا العظيم تأثر المجال اجمع.

لكن الشيء المبشر، أن مجموعة من الشباب جددوا التجربة، في إصدار ” صحافتهم” البديلة، فأصدروا مجلة ” توك توك” في عددها الأول عام ٢٠١١، كأول مجلة كوميكس للكبار، وكان صاحب الفكرة هو الفنان محمد الشناوي، واشترك معه في الرسم و التحرير الفنانيين : مخلوف و أنديل و هشام رحمه و حفناوي و غيرهم . ولم يقعوا بفخ ” التمويل” فاصدروا العدد بالتمويل الذاتي، حتى لا يتدخل احد في كتابة أو تحرير المحتوى.

وظهر أيضاً فن “الجرافيك نوفيل” بقوة، خاصة بعد ثورة ٢٠١١، من وكان من أشهر تلك الروايات المصورة ” تأثير الجرادة ” لمؤلفه الكاتب الراحل د. أحمد خالد توفيق، ورسوم الزميلة حنان حسني الكاراجي.

فقد تحور ” الكاريكاتير ” حينئذ واتخذ من تلك ” البدائل ” متنفساً له.

كلمة أخيرة

وجب على كل الفنانيين الحاليين وانا منهم ، تقديم خبراتهم و تجاربهم الذاتية “و توثيقها” في كتب، حتى وإن كانت إلكترونية، ولا اقصد هنا” توثيق ” أعمالهم. لكن ما اقصده “توثيق” سر الصنعة، وشرح كيفية إيجاد الفكرة، وكيف تتحور داخل عقل الفنان وصولاً لظهورها على صفحات الجرائد أو على صفحات التواصل الاجتماعي.

فهو ما يبحث عنه الفنانيين الجدد في بداية طريقهم للاحتراف، فا ان توافرت كل الاسباب السابق ذكرها فمن المؤكد اننا سوف تحصل على جيل من رسامي الكاريكاتير الواعيين ، وهو ما نبحث عنه الأن وفي كل وقت .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق