لايت

كورونا يغيّب رفعت الجادرجي عرّاب العمارة العراقية الحديثة

 توفي المعماري والتشكيلي العراقي رفعت الجادرجي، الجمعة، في العاصمة البريطانية لندن عن عمر ناهز 94 عاما بعد إصابته بوباء كوفيد – 19، ليترك تاريخا كبيرا من الأعمال المعمارية البارزة في العراق وعدد من البلدان العربية.

وفقدت الساحة الفنية العراقية والعربية برحيل الجادرجي واحدا من أهم روادها الذين أسسوا لمفاهيم إبداعية سيظل التاريخ شاهدا عليها.

ونعى الرئيس العراقي برهم صالح الجادرجي وقال في تغريدة على تويتر إنه “بوفاة الجادرجي يفقد فن العمارة في العراق والعالم رئته الحديثة التي تنفست حداثةً وجمالاً”.

ولطالما يتذكر العراقيون الجادرجي بوصفه معماريا من طراز خاص، حيث شيّد لهم في ستينات القرن الماضي الجندي المجهول، وصمم نصب الحرية مقترحا اسم صديقه جواد سليم لتنفيذه، إضافة إلى العديد من الشواخص المعمارية التي باتت ملمحا راسخا من حداثة العمارة في بغداد.

وأهلت إسهامات الجادرجي في العمارة من خلال مبان ومشاريع معمارية شديدة الخصوصية لكي يكون في طليعة المعماريين العرب منذ ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين. ذلك يعني أنه كان من المشاركين في تأسيس المجتمع المدني في عراق هذا العصر.

ويعتبر الجادرجي أن “العمارة ليست طرز مبان نسكنها، إن مفهومها يدلّ على كونها كيانا يشاركنا العيش والوجود والمعرفة، وأثرا قابلا للتغيير والتقدم والتجدد وابتكار عالم ممكن، يبدأ من التاريخ ليطل على المستقبل”.

وللجادرجي أعمال كثيرة منها مبنى الاتحاد العام للصناعات ومبنى نقابة العمال والبدالة الرئيسية في السنك والبرلمان العراقي، وله أعمال فنية أخرى كما أنه قام بتصميم نصب الجندي المجهول الأول في الستينات من القرن العشرين في ساحة الفردوس قبل أن يأمر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بهدمه.

ويرى المعماري العراقي أن البناء الحضاري يتقاسمه جانبان، عملية الإنجاز والجانب الأهم الحفاظ وصيانة ما أنجز. ويعتبر الجادرجي أن هذه العلاقة هي من تمثل ذاكرة الشعب وتكوّن وجدانه. وانصب اهتمام الجادرجي على إيجاد أسلوب مناسب لعمارة عربية ممزوجة بالتراث مستفيدا في الوقت نفسه من أسلوب العمارة الحديثة مثلما تظهر المباني التي قام بتصميمها.

ولد الجادرجي نهاية العام 1926، ونشأ في عائلة يمكن وصفها بالأرستقراطية، فجده وعمه ووالده كانوا من سراة القوم، وللأسرة تقاليد اجتماعية ظلت محافظة عليها، وهذا ما كان يحرص عليه والده كامل الجادرجي، والذي عُرف معارضاً طوال العهد الملكي، ولم يدر بخلده أن نهاية ذلك العهد هي نهايته أيضاً كمعارض، فبعد ثورة 14 يوليو انتهى هامش الديمقراطية وانتهت معه المعارضة نفسها، وكان الأب من مؤيدي الثورة، لكنه لم يتسلم فيها منصباً.

واستفاد الجادرجي من عمله في منصب رئاسة قسم المباني في مديرية الأوقاف العامة ثم في منصب مدير عام في وزارة التخطيط في أواخر الخمسينات وأيضا في منصب رئيس لهيئة التخطيط في وزارة الإسكان، إذ طوّر اهتماماته الهندسية بل بلور أسلوبا معماريا عرف به. وأكمل دراسته في مدرسة “هامر سميث للحرف والفنون” البريطانية وواجه بعد عودته إلى بغداد تحديا ناتجا عن تقاليد المجتمع البغدادي القديم عندما كانت مثل هذه الحرف تعدّ ضمن إطار حرفة البناء أو “المعمرجي”.

وألف الجادرجي العديد من الكتب حول فن العمارة، حيث كانت معظم كتاباته في التنظير المعماري، ومن كتبه “شارع طه وهامر سميث” و”الأخيضر والقصر البلوري” و”جدار بين ضفتين” و”صورة آب”. وحاز الجادرجي على جائزة الآغا خان للعمارة سنة 1986 كرئيس مدى الحياة في لجنة التحكيم المعمارية وذلك تقديراً لأعماله الهندسية.

وحصل الجادرجي الذي شارك في العديد من المعارض العالمية اهتمت بمسابقات التصاميم، على جائزة لمشاركته في تقديم نماذج لمبنى البرلمان الكويتي، كما أنه فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب.

وقالت الباحثة الفرنسية في فن العمارة الحديثة في العراق سيسيليا بييري التي عرفت الجادرجي إنه “كان أحد عمالقة العراق في القرن العشرين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق