أخبار الكاريكاتير

“المضحك المبكي” صحيفة حاضرة في ذاكرة السوريين

المضحك المبكي” كلمتان جعلتا جيلًا كاملًا في سورية يضحك ويبكي، في وقت واحد، منذ عشرينيات القرن الماضي حتى منتصف الستينيات، وقد عرّفت الصحيفة عن نفسها في الافتتاحية، بأنها موطن صحيفة علمانية، ذات لغة هجاء سياسي من خلال رسم الكاريكاتير، أسسها المفكر السوري حبيب كحالة، أهم مؤسس للكرتون السياسي في المشرق العربي، وتُعد إرثًا ثقافيًا سوريًا مهمًا، في الوقت الذي تتعرض سورية بأكملها، لاستهداف مجتمعها وثقافتها العريقة على يد نظامٍ لم يستوعب تاريخها الإنساني الغارق بعبق التاريخ والحضارة البشرية. وهي من أكثر الصحف رمزية في مواجهة عهد الانتداب الفرنسي، وانتقاده ومهاجمته، هذا الكنز كان متوفرًا بالكامل في مكتبة المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى بدمشق، ولا يتوفر عبر الإنترنيت سوى 54 صفحة أولى منها، تمكن عدد من الباحثين من نشرها.

عبّرت “المضحك المبكي” عن صورة السلطة السياسية في سورية، في عهد الانتداب الفرنسي، وما بعد الاستقلال، والتناقضات في العلاقات السياسية آنذاك.

صدى عصر الانتداب الفرنسي في سورية

تعد (المضحك المبكي) أهمّ الصحف السياسية الساخرة في سورية في القرن العشرين، انطلقت عام 1929 وتوقفت عام 1966، بعد وفاة مؤسسها حبيب كحالة بعام (1898-1965)، وهو خريج الجامعة الأميركية في بيروت، وتميزت بعدد قرائها وطول خطها التحريري، ورسمها الكاريكاتوري المميز، وروحها في مناهضة الانتداب الفرنسي، ونغمتها في رفع المُثل القومية العليا والدفاع عنها، فضلًا عن رسوماتها الحادة في انتقاد سلطات الاحتلال الفرنسي لسورية، ورجال سلطاتها، وتجنبت انتقاد رجال سورية الوطنيين بشكل مباشر، وكان حبيب كحالة، عندما يلتقط قلمه، ينتقد مجتمعه بقوة ودقة في كل مرحلة تمرّ بها البلاد.

تُعدّ “المضحك المبكي” واحدة بين خمس صحف سورية ساخرة، كانت تصدر في الثلاثينيات من القرن الماضي، ونافستها (جراب الكردي) التي أسسها توفيق جنة عام 1908، التي واجهت الانتداب البريطاني والصهيونية، لكن قلم كحالة تفوق عليها وتميز عنها. وأصبح زعيم الصحافة الساخرة بلا منازع، وعلى الرغم من انتشارها الكبير وصداها الواسع بدمشق، فإن انتشارها كان أقلّ في حلب وحمص وحماة وبيروت وبقية الأراضي السورية آنذاك.

كان حبيب كحالة يضطر أحيانًا إلى أن يكتب معظم مقالات الصحيفة، وإن كان بخط يده، إذا تعذرت عليه الطباعة، إلا أنه تمكن من إدخال رسام الكاريكاتير السوري طارق توفيق (1875-1940) المعروف بلوحاته الزيتية وأعماله الفنية المؤثرة بتاريخ الفن التشكيلي السوري، ورسام الكاريكاتير خليل الأشقرالمعروف باسم “درويش”، وأحيانًا باسم جوليان. وهذان الفنانان أرسيا دعائم الواقعية الساخرة على لوحاتهم.

اللوحات التي سنتحدث عنها هنا عن مرحلة الانتداب الفرنسي في سورية، بين عامي 1929 و1939، تعكس روح الصحيفة بالرغبة في الوحدة السورية الكاملة التي يجب أن تناهض التقسيمات الفرنسية والإنكليزية للبلاد، وأن تكون كل من دمشق وحلب وجبل الدروز والدولة العلوية ولبنان الكبير وإسكندرون كيانًا واحدًا. إضافة إلى فلسطين وشرقي الأردن، ورفض معاهدة فرض الانتداب على سورية عام 1922.

وفي لوحة “المفاوضات الساخرة”، التي تبين الصراع بين المندوب السامي الفرنسي المقيم في بيروت، وفي يده السلطات السياسية والاقتصادية والقرارات، في مواجهة الحكومة السورية، والبرلمان السوري، الذي يضم المنفتحين على الحوار مع الانتداب الفرنسي للحصول على المطالب السورية، ويصفهم الانتداب الفرنسي بالمعتدلين، وصولًا إلى الأكثر قومية وراديكالية في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

الممارسات والانتقادات الطليعية لتحقيق النهضة السورية المطلوبة

اللغة المستخدمة في (المضحك المبكي) هي لغة مبتكرة وبسيطة ووسيطة بين العامية والفصيحة، فهي أول صحيفة قدمت “الدياليكتال” في خطوطها، الأمر الذي جعلها علامة تجارية وماركة مسجلة للصحيفة، فالرسم الكاريكاتيري على صفحتيها الأولى والأخيرة وبالألوان مثل صحيفة “رير” الفرنسية و”الهيرالد تريبيون” اللندنية، بينما داخلها فهو بالأبيض والأسود، وتحتل هذه الرسومات مكانًا مميزًا واستراتيجيًا على الصفحة الأولى، والرسمة الرئيسية تجسد على الدوام أهم حدث في الأسبوع، وتكتب حولها مقالة واحدة على الأقل، بهدف توضيحها أكثر لجمهور القراء.

فلوحة (فلنأخذ أطفال الوطن الأم) الشهيرة التي رسمها خليل الأشقر، وأدت إلى تعليق إصدارات الصحيفة ثلاثة أشهر، وصدرت بتاريخ 26 تموز/ يوليو 1930، ويسخر فيها الفنان من عيد الثورة الفرنسية، ومن نفاق الحكومة السورية التي احتفت بالعيد الوطني الفرنسي وجشع ممثليها، وتصويرهم كمهرجين في كرنفال يغنون النشيد الوطني الفرنسي “المارسييز”، وكأنهم أعوان الانتداب وأدواته ومطبليه ومزمريه، بل يؤيدون فرنسا ككل، وهو ما لا يتناسب مع الطموحات الوطنية في التحرر من المستعمر، حيث يطبل تاج الدين الحسني بقوة على الطبل، وهو المفروض رئيس حكومة مناهضة للانتداب، ليرفع ذراعه تعبيرًا عن دعم فرنسا وتأييد وجودها، مما يسعد المندوب السامي، وقد وصفهم حبيب كحالة آنذاك بـ “الخونة”، وسببت تلك اللوحة أزمة لدى الانتداب، إذ فضحت الأجندة غير الوطنية آنذاك، وأظهرت أنّ من تسميهم فرنسا بالقوميين المعتدلين، مجرد دمى تتحرك وفق الأجندة الفرنسية.

أدى هذا العدد الفاضح إلى قيام الحكومة السورية والبرلمان السوري بإصلاح جذري للوصول إلى النهضة السورية المنشودة، القائمة على أسس الوحدة الإقليمية السورية، والاستقلال، وحرية الصحافة والرأي، وإقرار المرحلة النهائية لهذا التحرر بإقرار الديمقراطية.

أما لوحة (التطلعات الوطنية الخمسة) التي صدرت بتاريخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1932، حيث يظهر وزيران من الحكومة السورية المعتدلة على الخيول أمام حاجز مرتفع يقيمه كل من المندوب السامي هنري بونسو ونائبه، فيما يطل الزعيم الوطني ومؤسس الكتلة الوطنية السورية إبراهيم هنانو خارج المضمار، لتقول الصحيفة بلهجة لا هوادة فيها: “يا نطوا فوق هلحواجز، يا انزلوا بلا بهدلة”.

فالوحدة السورية هي المبدأ الأول الذي يضم لبنان وجبل الدروز والدولة العلوية وفلسطين وشرق الأردن إلى دمشق، ومبدأ قانون العفو وإخراج كافة المعتقلين والعفو عن جميع السوريين في ثورة 1925، وحياة برلمانية صحية ونزيهة، فإما أن تقفز جميع هذه الحواجز أو فلتوقف كل شيء.

مواجهة الرقابة وقانون لمهنة العمل الصحفي

وحّدت (المضحك المبكي) المجتمع الصحفي في سورية؛ فانضم مالك جريدة (المقتبس) نجيب الريس، ومالك صحيفة (الأيام) نجيب الأرمنازي، وغيرهم إلى حبيب كحالة، وأسسوا مجتمعهم الصحفي للدفاع عن حرية الكلمة، في عهد الانتداب، وعندما أوقفت لثلاثة أشهر في سورية، قامت الصحف السورية بنشر بيانات دعمها لـ (المضحك المبكي) بلا توقف، وعندما عادت للصدور في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1930، ظهرت بلوحة هي الأجمل بتاريخ الصحافة العربية، حيث يظهر باللوحة أربعة أعضاء في حكومة تاج الدين، هم توفيق شامية وزير العمل، وجميل العليشي وزير المالية، وعبد القادر الكيلاني وزير التجارة والزراعة، فضلًا عن رئيس حكومتهم تاج الدين، لتقوم رمز الحرية من قبرها وبثوبها الأبيض وشعرها المتناثر، وهي تشبه ماريان رمز الحرية في الثورة الفرنسية، فيما يبدو الوزراء بحالة ذعر وخوف معلنين أن البؤس قد عاد، وأصابعهم متفرقة لإبراز حالة الحرج لديهم، لتؤكد الصحيفة انتصارها على الرقابة وعودتها للحياة، وأنها قامت من جديد بطابعها ونهجها الاستفزازي والمتمرد، وهي بطلة الكفاح من أجل وحدة وحرية سورية، وقد عكست صحيفة “المضحك المبكي” الأجواء السياسية ما بين الحربين العالميتين، ومماطلة الانتداب في تحقيق مطالب الشعب السوري المشروعة.

في عام 1964، وصلت صحيفة “المضحك المبكي” إلى عصرها الذهبي، إذ كانت تصدر أسبوعيًا وتوزع أكثر من عشرين ألف نسخة. وبعد وفاة حبيب كحالة وتولي ابنه من بعده، وسيطرة البعث على الحكم عام 1966، بعد وفاة كحالة الأب بعام، أوقف نظام البعث إصدار الصحيفة، ودخلت سورية في نفق تكميم الأفواه ومصادرة الحريات، لخمسين عامًا مقبلة بلا انقطاع. حتى قيام الثورة السورية… طبعًا ظهرت محاولات لصحافة سورية ساخرة في عصر البعث، مثل (الكلب) لإسماعيل صدقي التي كانت توزع سرًا في سبعينيات القرن الماضي، في ظل نظام الأسد الأب القمعي، وظهرت صحيفة (الدومري) لفنان الكاريكاتير علي فرزات، في بداية عصر الأسد الابن، وقد تعرض فرزات للاعتداء من جلاوزة النظام بداية الثورة السورية عام 2011، وما لبثت أن توقفت بعد مدة وجيزة من صدورها عام 2000.

وما زالت الصحافة السورية -حتى يومنا هذا- تعاني الشلل، في ظل نظام دموي يخاف من ريشة الرسام أن تسقطه.

المصدر
جيرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock