مقالات

“لسّا الأغاني ممكنة”

قرأت مصادفةً تعليقات وضعها فلسطينيون وعرب على فيديو مصوّر في القدس المحتلة، لمجموعة من الشبان والشابات يرقصون رقصة فلسطينية فولكلورية على صوت غناء مطرب فلسطيني، يغني أغنية فولكلورية شبيهة بالعتابا والموليا، كرنفال الفرح الصغير هذا حدث في إحدى شوارع القدس الشرقية، حيث تجمّع المقدسيون حول المغني والراقصين، يصفقون ويتمايلون فرحا وطربا. التعليقات التي تركها المشاهدون على الفيديو المنتشر على وسائل التواصل مثيرة للحزن واليأس فعلا، فأغلبها شتائم مقزّزة، تصف الشبان والشابات بأشنع الصفات، وتصف ما يقومون به بالفاحشة. التعليقات المهذبة وصفت ما يحدث بأنه جزءٌ من المؤامرة على القضية الفلسطينية، وعلى قضية الأقصى، وعلى الدين الإسلامي، حيث افترض أصحابها أن مؤدّي فقرة الفرح تلك، هم حتما ليسوا مسلمين، وإن كان بينهم مسلمٌ فهو عميل (لليهودي)، عدد قليل من التعليقات فقط كانت محبّة لما ترى.
فإذا ما تغاضينا عن كمية الكراهية والشوفينية المبثوثة في التعليقات ضد مجموعة من الراقصين، لا أحد يعرف هويتهم الدينية، فإن ظاهرة رفض الفنون الأدائية، كالرقص والغناء والموسيقا، ملفتة حقا، تلك الفنون المبهجة والرافعة هرمون السعادة، المرفوضة من مجموعات كبيرة جدا ومختلفة الانتماءات من العرب والمسلمين، خصوصا إذا كان من يؤدّي هذه الفنون، ويمارس طقوسها، هم عرب ومسلمون، أينما كانوا، سواء في بلاد العرب أو خارجها، بينما يحيي الرافضون، ذاتهم، مؤدّى هذه الفنون إذا ما كانوا من دول العالم الأول، وكأن الفرح حق لمواطني ذلك العالم، بينما هو حرام على شعوبنا.
ملفتٌ أن هذا التحريم نقوم به، نحن أنفسنا، ضد أنفسنا، في حالة كراهيةٍ لكل ما يسبب لنا بعض الفرح، لكل ما يشي بأننا أحياء، وبأننا نقدّر قيمة العيش، وأننا نستحق حياة أفضل من التي نعيشها، وهو ما نلحظه في التعليقات على فيديو لسيدة أوروبية عجوز، ترقص في الشارع بخفّة ورشاقة، على أنغام موسيقا يعزفها أحد عازفي الشوارع. التعليقات العربية كلها تقريبا معجبةٌ بقدرة السيدة العجوز على الفرح بهذا الشكل المبهر، وبرشاقتها في الرقص، وبالحرية التي تتمتع بها، سواء مع نفسها أو مع الآخرين. في المقابل، هناك فيديو، انتشر في الوقت نفسه أيضا، لسيدة تسعينية عربية ترقص في حفلةٍ على أغنية عربية ذات إيقاع طربي سريع، ستصدم التعليقات على الفيديو من يتابعها، ليس فقط السخرية من السيدة، ومطالبتها باحترام سنها الكبير، بل اعتبار ما تفعله انحلالا وترويجا للفاحشة.
متى أصبح الرقص والغناء فاحشة في مجتمعاتنا؟ متى حدث هذا التحوّل المريع في الوعي الجمعي العربي؟ متى أصبحت الموسيقا حراما وزندقة؟! مع أن تاريخ العرب والمسلمين كان دائما يحتفي بالموسيقا، وبكل ما يتعلق بها، كتبنا التراثية، وما وصلنا عن الأقدمين، وعن الدولتين، الأموية والعباسية، وعن المسلمين في بلاد الأندلس، يحتشد بالقصص المحتفية بالراقصات والمغنيات والمغنين، سواء في قصور الخلفاء أو بين عامة الشعب. الخيال الجمعي الإسلامي عن الجنة لا يغيب عنه الغناء والرقص، أيضا، لا توجد نصوصٌ في القرآن الكريم تحرمهما وتمنعهما عن المسلمين، المزاج العربي والمسلم عموما مزاجٌ طربي، يسمع بقلبه وعواطفه، قبل أذنيه، حتى في أثناء تجويد القرآن الكريم تنطلق آهات الإعجاب من أفواه المستمعين، حين يسترسل المقرئ في استعراض قدراته الصوتية، والانغماس في موسيقا العربية الفصحى، وفي الموسيقا المدغّمة في الآيات الكريمة. من هؤلاء إذا، الذين يريدون إزالة أي أثر للرقة والعاطفة التي تحرّكهما الموسيقا في قلوبنا وأرواحنا، عبر تمجيد الجلافة والقسوة والموت، والتعامل مع العيش بوصفه حالة انتظار للموت، لا هبة إلهية ينبغي الاحتفاء بها كل لحظة.
وفي السياق نفسه، ملفتٌ هذا الربط بين هزائمنا العامة، على الصعيدين السياسي والوطني، وممارستنا طقوس الفرح، وكأن عقلنا قاصرٌ عن أن يحدّد أسباب هذه الهزائم، أو كأننا نتعامى عنها، أو نخشى من الاعتراف بها، فنلقيها على الطرف الذي لا نحتاج معه للتفكير أو للتحليل، الطرف السهل الذي لا يتعب، ولا يعاقب، ولا يسبب الأذى. هكذا نخلي أنفسنا من مسؤوليتنا عن هزائمنا الشخصية والعامة، مكتفين بثباتنا على حالة الجفاف واللافعل واللاحياة، فالميت لا ينتج انتصارات ولا هزائم. ونحن أشبه بالموتى، ما يحيط بنا من فشل وانكسار وهزيمة سببه الذين يصرّون على العيش وعلى الفرح الذين رفضوا أن يكونوا مثلنا، فنشتمهم ونخوّنهم بضمائر ميتة، بينما نمدح، بصفاقة، الشعوب الأخرى، وهي تعيش شغف الحياة بفرحٍ ممنوع علينا.

رشا عمران

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock