مقالات

روح الفكاهة عند صلاح جاهين

صلاح جاهين من أبرع من رسموا الكاريكاتير، كان يكفى لى وأنا خارج مصر أن أشاهد رسمته اليومية كى أعرف نبض الحياة المصرية، وأقيس حرارة بلدى وأقتبس ابتسامتها الساحرة، وهو الذى ارتفع بشعر العامية من مقام الزجل إلى آفاق الشعر، كان واعياً بحدة بهذا الأمر، يقول فى مقدمة ديوانه «قصاقيص ورق»: «إن الزجل نظم عامى، أقرب إلى المقال القصير الحقيقى منه إلى الشعر، بكل ما يتطلب الشعر من تكثيف للشعور وتركيب للرؤية، ووجع الدماغ» وتغلبه خاصية خفة الدم الأثيرة فى الزجل عند هذا الوصف الأخير، فهو لم يخلع أبداً عباءة الزجالين ولم يغادر عالمهم، الذى يغلب عليه التطرف فى التراوح بين المرح والحزن، فى السخرية من الحياة والحفاوة بها، فى اعتصار ما يسميه الفلاسفة روح الفكاهة ليسقى بها روح الإنسان المجهد من كثرة الأعباء، بل كان يرى هؤلاء الزجالين أسرته الكبرى فيقول:

والزجل هو فن الفكاهة اللاذعة، والشعر الشعبى الذى ينبثق من الطابع الشفاهى للفن فى العصور القديمة قبل أن تغلب عليه خاصية الكتابية، ويعود لاكتساب ملمح من نشأته الأولى فى عصرنا الراهن الذى يطلق عليه «الشفاهية الثانية» وميزتها أنها تقدم ثقافة الشعب فى وضعها الفورى الساخن قبل قولبتها فى أطر جامدة، ثقافة سائلة فوارة مختلطة، أبرز ما يعتمد عليه الفن الرائج هو توظيف المفارقات المضحكة، والحرص على تفاعل الجمهور ومشاركته الحارة فى عملية الإبداع المتبادل، كذلك يعتمد على عنصر المفاجأة بالختام الذى لا يتوقعه أحد. كل هذا يجعل فن الشعر الممزوج بالزجل شديد التعبير عن الوجدان الجماعى المصرى. وكان قلم صلاح جاهين يتخذ كثيراً وظيفة الريشة فى تجسيد المشاهد الملونة وإبراز المفارقات الصارخة، فهو يصف راقصة باليه من أصل شعبى فيقول مثلاً:

«وبنت أم أنور بترقص باليه/ بحيرة البجع/ سلام يا جدع

سلام ع الإيدين اللى بتقول كلام/ سلام ع السيقان اللى مشدودة زى الوتر

سلام على القوام اللى مليان دلع مش حرام/ حلال زى نور القمر

سلام ع الخطاوى اللى بتمر ع الكون تداوى/ سلام ع الغناوى

وبنت أم أنور بتضرب بساقها الفضا/ وبتشبّ وتلبّ وتنط نطة غضب ونطة رضا

وبتقول بلغوة إيديها اللى فات انقضى/ حقيقى مضى..

كانت أمك يا بنتى/ فى أزجال معلمنا بيرم عليه السلام

متعرفش تركب سوارس تروح الإمام/ وتمشى تقع».

سلام يا جدع لصلاح جاهين وهو يرصد برشاقة الفنان لا حركة البنت وهى تؤدى أصعب أدوار التمثيل والتعبير الأوبرالى بإيقاعات جسدها وحركة يديها وتمايل قوامها المضبوط والمعجون بأرق الألحان فحسب، بل يرصد حركة المجتمع وهو يشهد تحرر الفتاة المصرية بنت أم أنور من عصر الحريم واقتحامها الجرىء لحلبة الإبداع الراقى بينما كانت أمها – كما يصفها سيدنا وإمامنا بيرم، عليه السلام، بأنها لم تكن تجيد حتى ركوب الحنطور الذى كان يسمى «سوارس» فإذا ما اجترأت على ذلك زلت قدمها – وربما كسرت – كما حدث للست آمنة زوجة النموذج الأوفى للرجل المصرى «سى السيد» فى ثلاثية محفوظ الرائعة. هذه الفجوة الكبرى بين جيلين فقط نراها ماثلة أمام عيوننا بكل أبعادها فى أبيات جاهين، ونستطيع بالتداعى أن ندرك منها حجم الردة الحضارية التى ساقتنا إليها نكسة المرأة فى العقود الأخيرة بعداء الفن والجمال والعودة الشكلية لعصر الحريم، لكن لا يسعنا من ناحية أخرى أن نتجاهل براعة الشاعر وهو يصف دلال الفتاة المباح – مثل ضوء القمر – وهى «تشب» وتلب وتنط نطة غضب ونطة رضا»، إنه يجعل اللغة ترقص بصحبة الفتاة وتقفز مثلها فى الهواء برشاقة مذهلة، ولنتابع حركة المد الفكاهى عنده وهو يتحدث عن التطور:

«فى البدء خالص كنا سردين فى البحور/ لقيناها بايخة فى حقنا

صرنا سحالى بجناحات زى الطيور/ دايرين نلقط رزقنا

طحلب ودود/ ودود وطحلب كل يوم فى بقنا/ شىء مش تمام

طب نبقى إيه/ قال لك قرود/ برضك زهقنا وقلنا: لا، نبقى بشر

وبشر بقينا وإيه بأه/ أهو ليل نهار غلب وشقا

أين المفر/ أنا عندى حل معتبر/ نبقى غجر».

طبعاً هذا كلام ليس فيه تكثيف للشعور وتركيب للرؤية، وإن كان لا يخلو من وجع الدماغ العلمى كما يقول جاهين فى وصفه للشعر، ولكن أبرز ما فيه هو هذه السخرية الموجعة من تقلب الإنسان فى مراحل الخلق كما تقول به بعض نظريات التطور فى الخلايا الحية. ولا يرى الشاعر حلاً لها سوى هذه «الافتكاسة» الطريفة بأنه يصبح من قبيل «الغجر» ولنقرأ له قصيدة أخرى بعنوان الجنة، دون أن يستفزنا ذلك أو يثير العصب الدينى فينا، فهذا غير مقصود من النص كما سنرى عند تأمله حيث يقول:

«أبريق دهب، ومخدة من ريش النعام

تشرب سيادتك/ تنجعص، آخر غرام

ترفع عينيك تلاقى منجة مدلدلة/ وفاكهة ياما، متلتلة

أصناف من اللى الكيلو مش عارف بكام

منجة وفراولة وموز وتفاح يا وله/ وخوخ وبرقوق م التمام

يا للعجب، البرتقال ويا العنب/ فى غصن واحد يا سلام

جلا جلا يا محترم، جلا جلا/ كل الأمور متسهلة

تطلب حواجب نمل ولا قلوب دبب/ تحضر بسرعة مذهلة

ما عليك إلا تفضل بس تشتهى/ تطلب وتطلب فى حاجات لا تنتهى

كله يجاب/ ما هى جنة طبعا يا مهاب/ لكن مفيش غير شىء واحد ووحيد

لو تطلبه لا يستجاب/ إنك تعوز تخرج من السور الحديد».

فإذا تذكرنا أن الديوان الذى يتضمن هذه القصيدة صدر عام ١٩٦٥ فى عز مجد النظام الناصرى، خلال حرب اليمن، بعد نكسة الانفصال وقبيل نكسة يونيو ٦٧ أدركنا أننا نظلم جاهين كثيرا – كما فعل اليساريون – عندما اتهموه بأنه مجرد بوق للسلطة التى كانوا يمرعون فى عزها حينئذ، هنا نستشعر بدقة هول اللحظة ونكاد نخشى أن يعيد التاريخ الماكر نفسه، وإن كانت معظم الفواكه التى ذكرها ويراها الناس الآن، لم تكن موجودة فى الأسواق حينها، ولابد أن نحمد للشاعر أنه لم يشر إلى متعة «الحور العين» فى الجنة، وأنه اكتفى بذكر لذائذ الطعام ليفاجئنا بما يضحكنا ويبكينا وهى أننا نعانى داخل الأسوار ولو كانت جنة والمثل القديم يقول «الجنة من غير ناس ماتنداس» والحديث يقول «الجنة من غير حرية تبقى رزيّة».

صلاح فضل المصري اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock