مقالات

رمية حنّا مينة الأخيرة

معن البياري

استحقّ حنّا مينة كثيرا من التقريظ الغزير الذي انكتب عنه، وعن رواياتٍ له، منذ وفاته الشهر الماضي (أغسطس/ آب 2018)، ذلك أنه صاحبُ تجربةٍ مهمة، وخاصّة، في المدوّنة الروائية العربية الحديثة، ومن أهل السرد والحكاية العرب الذين أنزلوا الرواية من مرتفعاتٍ كانت فيها إلى الناس. ولكنّ من أوضح ما لوحظ في الكثير الذي انكتب، أخيرا، أنه انصبّ على رواياتٍ لحنّا مينة دون غيرها، حازت مقروئيةً عاليةً، عقودا، واستطابتْها كتاباتٌ ودراساتٌ نقديّةٌ وازنة، وهي رواياتٌ ذات مستوىً فنيّ متقدّم، فيها الحرارةُ اللازمة للنصّ الرفيع. … باختصار، هي التي أبدع فيها حنّا مينة، وأظهر فيها قدراتِه روائيّا مكينا ومتينا، وصانعا ماهرا للحكاية، وحاذقا في بناء الشخصيات والمناورة بين الأمكنة والأزمنة، وإقامة عالمٍ روائيٍّ ينهض بمحمولاتٍ وترميزاتٍ ومضامين وإيحاءاتٍ، تقدّمية وإنسانية. هذه الروايات التي تحقّق فيها هذا كله (وغيره) معلومةٌ، لا يرى صاحب هذه الكلمات هنا وجوبا لإشارةٍ إلى أسمائها، وهي عشرٌ أو أكثر قليلا (هل هي أربع عشرة مثلا؟). لم يُكْتَرث في المراثي التي أُزجيت، أخيرا، لصاحب “حارة الشّحّاذين” (دار الآداب، 2005) بأن له 39 رواية (بالضبط)، منذ “المصابيح الزّرق” (1954)، ما يعني أن تجاهلا قد جرى لنحو 25 رواية (أو أكثر قليلا) نشرها الراحل، وهو تجاهلٌ (أو تواطؤٌ؟) يعود، أساسا، إلى أن هذه الروايات لم تُحرز مقروئيّة الأخريات، بل لم تعتنِ بها أيضا الصحافة الثقافية، وتناساها كتّاب المتابعات النقدية، ولم يحفل بها أيٌّ من المعلقين، أو الدارسين المخلصين… لماذا؟ هل يعود هذا إلى قناعةٍ توطّنت سنين عددا بأن حنّا مينة أعطى ما عنده في تلك الأعمال، ثم جفّت موهبتُه عن إنجاز النص الروائي اللافت والمثير والبديع؟.
تُسعف في الإجابة على هذه الأسئلة، ومثيلاتٍ لها، قراءةٌ في آخر روايةٍ نشرها حنّا مينة (هل كتب غيرَها ولم تُنشر؟)، “امرأة تجهل أنها امرأة” (دار الآداب، 2009).. عنوانٌ ركيك، وحكايةٌ فيها افتعالٌ ظاهر، شخصياتٌ منمّطةٌ غير مقنعة التفاصيل، وقائع بلا معنى ولا مضمون، علاقات شهوةٍ وجنسٍ كيفما اتفق، دونجوانية ذكورية لرجلٍ ثمانيني، المكان شاحبٌ فيما الجغرافيا والطبيعة متعيّنتان، المرأة ميسورةٌ ومبتذلة.. بإيجازٍ أكثر، روايةٌ شديدة الضعف لكاتبٍ كبير، وصاحب منجز.
بطل الرواية صحافي مشهور، في الثالثة والثمانين من عمره (ولامعٌ وضليعٌ بعلم النفس، على ما تُخبرنا الصفحة الأولى)، يغادر من اللاذقية إلى بلدة السويدية، في مقاطعة هاتاي في تركيا، كما أصبح اسم لواء إسكندرونة على ما يسرد الراوي ببرودٍ وحيادٍ بادييْن. واللواء كما هو معلوم ضمّته تركيا إليها من الأراضي السورية. وفي سيرة حنّا مينة أنه أمضى سنواتٍ في طفولته، مقيما في هذه البلدة، قبل أن تستقرّ عائلته في اللاذقية. وكم كان سيصير عملا لافتا، لو أن مينة صنع من وصول هذا الصحافي الثمانيني إلى هذه البلدة فضاءً سرديّا تُستعاد فيه أخيلةٌ من الذاكرة المتّصلة بالحاضر، وتلتقي فيه خيوط من الماضي والراهن. لكنه لم يفعل (وله أن لا يفعل طبعا)، وإنما اختلق مصادفةً بين هذا الصحافي وامرأة، عند نقطة الجمارك، ليقيما لاحقا في الفندق نفسه، في أنطاكيا التي يغادر إليها لأن السويدية لم ترُق له (فليس فيها سوى فندق واحد غرفه ضيقة!). فورا، تحبّه هذه المرأة، ذات الاثنين وأربعين عاما، بولع وشهوانيّة (!). نتعرّف في مسار السرد على ابنتها الحامل المطلقة من زوج سابق، وعلى ابنها، وعلى عموم أسرتها (هل ثمّة دواع لذلك كله؟). لقطاتٌ في الغرفة (بجرأة مقصودة في علاقة الجنس)، وأخرى في الفندق، ثم زيارة إلى السويدية، وعودة إلى اللاذقية للإقامة في فندق أيضا، قبل سفرة إلى الشارقة (!)، ثم عودة إلى الفندق نفسه في أنطاكيا، قبل اختتام الرواية بمغادرته، بعد مشادّة حادّة بين الصحافي اللامع، الثريّ كما هو واضح، وهذه المرأة، التركية التي تعرف العربية كما يبدو، والتي تغار منها امرأة عاملة في فندق اللاذقية. يعنّف البطل، في المشادّة المفاجئة، عاشقتَه هذه التي يطردها من الغرفة، لكنها تعود إليه، ثم يهملها ويغادر…
هل هذه روايةٌ، أم تمثيلية تلفزيونية سمجة؟ هل الروايات المُتجاهلة، والعديدة، التي لم نقرأها لحنّا مينة في هذه السوّية الخفيفة؟ لماذا لم يتوقّف الروائي، الكبير حقا، بعد بدائعه الخالدة في ذاكرتنا؟ أيّ مختَتمٍ بائسٍ رمى نفسَه فيه بكتابته “امرأة تجهل أنها امرأة”؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى