مقالات

صلاح جاهين قرأ الغيب وتنبأ بالتطرف

خالد منتصر

الفن نبوءة، والفنان الحقيقى الذى يستحق لقب فنان هو «زرقاء اليمامة» الذى لا يكتفى بالرصد وإنما يتوقّع ويستشرف ويرى المستقبل بنظارة الفن ويدق جرس الإنذار.. «صلاح جاهين» كان من هذا النوع الثانى، وقد تعرّض بسبب هذا الحس المستقبلى الناقد للواقع المصرى رغم كل مظاهر التحديث والتقدم التى كانت قائمة على قدم وساق، كان «جاهين» يرى هذا الواقع بائساً من الناحية الثقافية، وأن الماكياج يُخفى تحته دمامة وقبحاً، ولهذا السبب واجه حروباً مستعرة من تيار التخلف ورُفعت ضده وضد رسومه وكاريكاتيراته وأشعاره قضايا متعددة. ونحن نعيش أجواء الذكرى السابعة والثمانين لميلاد هذا العبقرى العظيم أتذكّر نبوءته التى جسّدها فى شخصية الطالب المتطرّف فى فيلم تعرّض بسببه لهجوم شديد وتعامل معه الجميع على أنه عورة وسقطة لا تُغتفر فى تاريخ «صلاح جاهين» رغم اكتساحه الجماهيرى فى ذلك الوقت، ورغم أن «جاهين» بذل فيه جهداً كبيراً، إنه فيلم «خلّى بالك من زوزو» هذا الفيلم الذى تجاوزت مدة عرضه العام. ورغم الخلاف الفنى على هذا الفيلم، ورغم أن الجماهيرية ليست مرادفاً للفن الجيد على طول الخط، فإننى لن أتعرّض لتلك النقاط، ولكن لنتأمل «جاهين» فى بداية السبعينات وهو ينسج شخصية طالب الجامعة المتزمّت المتطرّف الذى جسّده الفنان محيى إسماعيل ببراعة، كان «جاهين» يتوقّع صراعاً بين هذا التيار الكاره للحياة وتيار آخر يحب الحياة ويعشق التجديد ويعرف أن الثابت الوحيد فى هذه الدنيا هو التغيير، كان يتوقّع أن الصراع سيخرج من حدود الجامعة ويقفز أسوارها ويتعدى الحدود الأكاديمية الإقليمية إلى نخاع وعقل ووجدان المجتمع نفسه، كان انتقاده لهذه الشخصية المريضة السيكوباتية امتداداً لانتقاده للشيخ «متلوف»، تلك الشخصية الكاريكاتيرية المبتكرة التى تُسمّم حياتنا بالفتاوى والفضول ومحاولة رسم أدق تفاصيلها بقلم «متلوف» التالف وعلى مقاس مسطرته المتآكلة، كانت سخريته المريرة الموجعة، امتداداً لسخريته من بعض الذين رفضوا إضاءة الحملة الفرنسية للمصابيح بحجة أنها بدعة وكل بدعة ضلالة، كان «صلاح جاهين»، رغم اكتئابه العميق يقدّس الحب والانطلاق والفن، كان يعشق الحيوية، هذه النار السحرية التى ما إن تدب فى الجسد والروح حتى تتحوّل الحياة معها إلى معنى يستحق أن نذوب من أجله غراماً، كتيبة الفن المسمّاة «صلاح جاهين» هى ثورة على كل المستويات، كان مبدعاً صاحب بصمة فى كل فن مارسه، لم يمارسه من على السطح، لم يتعامل مع تلك الفنون بسلوك السائح المتعجّل الملهوف «المتسربع»، بل بسلوك المنقب المدقق الباحث، مارس الكتابة الصحفية وتولى رئاسة تحرير مجلة «صباح الخير» أعلى المجلات توزيعاً فى ذلك الحين، كتب الشعر العامى ووصل فيه إلى مرتبة الأب الروحى لمدرسة جديدة فى أسلوبه وشكله ومضمونه، رسم الكاريكاتير بريشة مدهشة وفكر جرىء وجَسور وموضوعات طازجة وثرية، كتب السيناريو والحوار، وشارك فى صناعة سينما مختلفة شارك فيها مع كل الأطياف من «حسن الإمام» إلى «يوسف شاهين»، كتب المسرح بروح الطفل حتى ولو كانت المسرحية غير موجّهة للأطفال، مثل الأغانى التى كتبها لمسرحية «على جناح التبريزى»، صاغ الفوازير المغرقة فى مصريتها المعجونة بروح الشقاوة وحب الألغاز وتحدّى الغموض الكامن فيها، كان يمارس كل هذه الفنون بروح الهواية وجنون وشقاوة اللعب الطفولى، وكأنه كان يستبدل الفن بقرص علاج الاكتئاب، ما أحوجنا اليوم إلى «صلاح جاهين» جديد يؤكد لنا فى كل لحظة أن مصر تكره الكآبة وتحب الحياة.

المصدر
الوطن المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى