مقالات

ممدوح عزام- يا دار ميَّة

يا دار ميَّة

ما الذي سيحدث حين يعود السوريون ذات يوم إلى المدن المدمَّرة؟ هل يكفي أن ينشأ أدب يمكن أن يسمّيه المؤرّخون الآتون من بعدنا “رثاء المدن”؟

لا نعرف بالضبط ماذا سيحدث، وليس بإمكان المرء أن يتخيّل ما هي الأدوات التي سيعبّر بها السوري العائد عن المدن المحطَّمة. لسنا في الحقيقة أمام مدينة واحدة، بل أمام مدن كاملة تهدّمت وآلت إلى حطام، أو إلى ركام مبعثَر من الحجارة، والحديد، والرمل الشاحب، والأثاث المحترق، والكتب الممزّقة.

المحزن أن رثاء المدن ينتمي في التاريخ الأدبي العربي إلى ما يسمّيه أساتذة الجامعة: الأغراض الشعرية، وهي تسمية تنتزع من اللحظة الحزينة المؤلمة مشاعرها، وتحيلها إلى غرض يصلح لمباراة.

ومن الطريف أن بعض مؤرّخي الأدب يدّعون أن رثاء المدن عند العرب، قد يكون سليل الوقوف على الأطلال. كأن البكاء أو الرثاء لم يكن سوى عرض عاطفي، يمكن أن يتخلّى عنه المرء في حال عثر على عرض بديل.

أذكر أننا درسنا رثاء المدن في الجامعة، وأذكر أن واحدة من الملاحظات التي كنّا نتداولها هي أن ذلك الجزء من المقرّر الجامعي كان يفتقر إلى الأسماء الشهيرة من بين الشعراء العرب، عدا ابن الرومي، في زمن العباسيين، وأبو البقاء الرندي في زمن الأندلس.والمُرجّح بحسب مؤرّخي الأدب العربي أن خراب المدن العربية بدأ أثناء اقتتال الأمين والمأمون، وقد كانت بغداد من أولى المدن التي تعرّضت إلى الدمار بشكل متناوب على أيدي جنود أحد جيشَي الأخوين المتصارعين على السلطة. وربما كان الجنود الذين يقتحمون تلك المدن الجديدة والطارئة على العربي يفتقرون لأي رابط معيشي أو حياتي بالمدينة كمكان.

لماذا؟ فقد دُمّرت عشرات المدن العربية، وقُتل مئات الآلاف من أبنائها، ولم يحرّك الشعراء المعروفون حرفاً من المعجم. واقتصر الرثاء على عدد من الشعراء المغمورين، الذين كتبوا شعراً ركيكاً في المعنى، وفي المبنى.

ليس لمثل هذا السؤال جواب شاف في الحقيقة، إذ بدا كأن الشعر العربي لم يكن حاضراً في المكان. كان الشعراء “الكبار” مشغولين بمسائل أخرى مثل مديح الحاكم، أو الأمير، أو أي صاحب سلطة يستطيع أن يرمي لأحدهم قطعة نقود. وهذا غريب، فقد كانت المدينة العربية الناشئة تجتذب معظم الشعراء وطالبي العلم عامة إليها.

ومن اللافت اليوم أن عدداً من مثقّفي الشام والعراق، يُبدون تأييداً مجرّداً من أيّ حس أخلاقي أو إنساني، أو فني، لفكرة تدمير المدن، إذا كان الأمر، حسب رأيهم، يحقّق انتصاراً عسكرياً أو سياسياً، على القوّة الأخرى “المعادية” التي يرون أنها تتحصّن فيها.

الفارق بين الشاعر العربي في الأمس البعيد، والمثقّف العربي اليوم، أن الشاعر”الكبير” في زمن اقتتال ابنَي الرشيد، صمت. لم يتدخّل. لم يقل شيئاً عن الخراب. بينما يدعو بعض المثقّفين العرب اليوم، إلى إزالة المدن، ومحو الأحياء، عدا عن دعواتهم إلى اجتثاث القاطنين فيها.

ماذا يمكن للمرء أن يقول؟ هل يعود الزمن العربي إلى الوراء، أم أنه لا يتحرّك البتة.

– See more at: http://www.alaraby.co.uk/culture/2016/2/5/%D9%8A%D8%A7-%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D9%8A%D8%A9#sthash.ZjFE1PdI.dpuf

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق