مقالات

ليال حداد- فلاديمير بوتين في بيتنا

فلاديمير بوتين في بيتنا

* كادت أمي ترفع في منزلنا صورة فلاديمير بوتين. لا أذكر تحديداً المناسبة، ربما كان عند احتدام النقاش عن عودة روسيا القوية. كان ذلك قبل عشر سنوات تقريباً. لم تفعلها أمي. أبلغها الكاهن أننا أقرب إلى الكنيسة اليونانية، وأن طائفتنا الكريمة لا ترفع صور زعماء سياسيين، وهمس همساً خفيفاً عن “فلول شيوعيين لا يزالون يسرحون داخل الكنيسة الروسية”. اقتنعت بسرعة. لم ترم صورة “القيصر” كما تناديه، وضعتها فقط في درج الجوارب الخاصة بأبي. 

* تفتح أمي حقيبتي الجامعية بحثاً عن قلم. تجد “كاسيت” للشيخ إمام، الأرجح أن نادر أعطاني إياه. “عمبتسمعي قرآن؟” تكاد تنهار. أشرح لها من هو الشيخ إمام، تتمتم شيئاً غريباً وتقول قبل أن تغادر الغرفة “بدك تسمعي للشيوعيين وعبد الناصر (!)”. من أين تأتين بكل هذا الكلام حول كل شيء: من السياسة إلى الدين والفن والعلم؟ لا أجيب. أخبئ الكاسيت في درج أدوات التجميل. 

* في سنواتي العشر الأخيرة تكررت عبارة “إنت وأصحابك الشيوعيين” في بيتنا كثيراً. وتعريف الشيوعي في البيت هو “كل من يقول كلاماً خارجاً عن طائفته”. انفجر الوضع قبل أشهر، مع انطلاق الحراك في بيروت. تسألني أمي “مين هول؟”. أقول “هذا عماد وهذا أسعد، وهذا لوسيان…” تسأل عن طوائفهم. تقرأ ما يكتبه شارل جبور ومي شدياق وتزداد خوفاً. “اللي بيطلع من تيابه بيبرد” أي “من يخرج من طائفته يضيع”. ترتاح لتلاقي خطابي سمير جعجع وميشال عون، ومن لف لفّهما. حلف الطائفة قوي، لن يخرقه “شوية شيوعيين”. ثمّ يأتي خطاب نقولا شماس، عن أبو رخوصة، والشيوعيين الذين سيدمرون البلد. تخاف أمي على صورة البلد “الراقي” أكثر مما تخاف عليها الهيئات الاقتصادية مجتمعة. أحاول أن أشرح لها، لكنها لا تسمع. “ما حدا خربلك راسك إلا أصحابك الشيوعيين”.

* صور أطفال دوما الشهداء في المدرسة تنتشر في كل مكان. فيديو الطفل الذي يصرخ يريد أمه، يحتل رأسي “بدي ماما.. بدي ماما”. سأرسل الفيديو إلى أمي. “هذا ما فعله بوتين بأطفال الغوطة” أكتب لها. ترى الرسالة ولا تجيب. أرسل لها فيديو آخر. العلامتان الزرقاوان أيضاً تؤكدان أنها رأت الرسالة، لكنها لا تجيب. ساعتان كاملتان: “الأبرياء يسقطون في سبيل أهداف كبيرة”، مجدداً تجد جواباً لكل ظرف. “بوتين سفاح” أقول لها. تجيب مجدداً: “كلّن سفاحين”. هممم، بداية جيدة. 

* أحب أصدقائي الشيوعيين، لكني بالمجمل لا أحب الشيوعيين، ولا أحب الحزب الشيوعي، ولا أحب ما قرأته عن الاتحاد السوفييتي. ولا أحب الكنيسة الروسية، ولا الكهنة الذين رشّوا “مياه مقدّسة” على الطائرات الآتية لتقصف أطفال سورية. من روسيا كلّها أحب الفودكا، والأدب الروسي، دوستويفسكي تحديداً. أما فلاديمير بوتين، فقد علمت أنّ صورته اختفت من درج جوارب أبي.. وتقول الشائعات إن أمي رمتها في سلة المهملات… صوت أطفال دوما ليس هامشياً، أقله في بيتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق