مقالات

سما حسن- المرأة والساطور

المرأة والساطور

فجعت غزة، قبل أيام، بحادثة قتل، ربما تعتبر الأولى من نوعها، وهي قتل امرأةٍ زوجها طعناً بالسكين. ولأن الجريمة لا تبرّر، فلا مبرّر تمكن صياغته وطرحه أمام جريمة إزهاق روح، ولكن بعضاً من التحليل يفضي بنا إلى ضرورة قراءةٍ عميقةٍ في دواخل نفس هذه المرأة القاتلة، تخوفاً على مجتمعٍ صغيرٍ، تهزه جرائم شاذة عما عهده، فالمجتمع الذي ما زال يقدس الرجل، ويضعه في  الصف الأول، تبعاً للموروث الذكوري، من العادي جداً أن تسمع  فيه عن وقوع جريمة قتل امرأةٍ، بدعوى الدفاع عن الشرف، فتصدّر خبر المرأة القاتلة وسائل الإعلام، وانتشرت التندرات والفكاهات والتعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبين عامة الناس، وعلت التحذيرات بأن على كل رجل أن يراجع نفسه، بخصوص ما اقترفه بحق امرأته، لأن صمتها ليس عن رضا دائماً، فهي قد تنفجر كلغم من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وسيطاول انفجارها أقرب الناس لها وهو زوجها.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، روّعت مصر بأول جريمة قتلٍ نوعية، فقد أقدمت سيدة على قتل زوجها، وتقطيع جثته، ولفها بأكياس القمامة السوداء المستخدمة في البيوت، ثم إلقاء هذه الأكياس في أماكن متفرقة، وتعالت تحذيرات شديدة للرجال، بضرورة توخي الحذر وإخلاء البيوت من أكياس القمامة والسكاكين الكبيرة الحجم، متغاضين عن ضرورة إخلاء البيوت من الظلم والقهر والاضطهاد الذي تتعرّض له المرأة، زوجةً وامرأةً عاملةً، وأماً تقوم بهذه المهمات في غياب دور الرجل الذي يقوم بدور الخائن غالباً، فيتزوج بأخرى، ويسلبها أموالها أو ملكيتها شقة العمر أو راتبها. ومع زيادة ظلم المرأة، زادت معدلات جريمتها، وأصبح الرجل المصري يسبق الرجل الأميركي عالمياً محتلا المرتبة الأولى، بتعرّضه للعنف بأنواعه، على يد زوجته.

إن امرأة تلجأ إلى العنف مع زوجها الذي يربطها به الرباط المقدس، وحفنة من الأولاد غالباً، يجب أن ننبش كما ننبش كومة من القش، بحثاً عن إبرة عن الأسباب التي دفعتها، لتصبح قاتلة، وهي ذلك الكائن اللطيف الوديع، والمتعارف عليه دائماً، وعلى مر العصور بأنه الحلقة الأضعف في المجتمع. ولو قدّر لي أن أنبش في قضية أول قاتلة في غزة، فإن علي أن أسأل عدة أسئلة، فدق ناقوس الخطر أصبح واجباً في مجتمعٍ ضيقٍ، يقدس الرجل ويهمش المرأة، فكل المؤسسات النسوية في غزة كمن يصفق بيدٍ واحدةٍ، في محاولاتها إصلاح وضع المرأة، فالمرأة الغزية قتلت منذ زمن بسلبها كل حقوقها، منذ كانت طفلةً، وبعد أن أصبحت زوجة وأماً. ولا يختلف اثنان على ما تتعرّض له المرأة الغزية خصوصاً، والعربية عموماً، من امتهان وإهدار حقوق، فهي إن أصبحت قاتلةً، فهي قتلت نفساً واحدة مرة واحدة، قبل أن تقتل هي ألف مرة ومرة. ولذلك، علينا، قبل أن نطالب بالقصاص، من أول قاتلةٍ، أن نبحث عن قتلة آخرين، دفعوا هذه المرأة لتصبح قاتلة، قتلة نعرفهم جيداً، مثل سلطة الأب والأشقاء الذكور والمجتمع وكلام الناس والتقاليد والفقر وحرمانها من الميراث والقوانين الوضعية غير المنصفة للمرأة، والتي تسلبها حقها في حضانة أطفالها، أو تتركها معلقة بلا طلاق، لعدم وجود قانون خلعٍ، بعد الدخول حتى الآن في غزة.

المرأة التي قتلت زوجها في غزة، وهي الزوجة الثانية له، استدرجته إلى مكان بعيد، وادعت أنها تريد أن تتنزه معه، بعيداً عن مكان سكنها، فحملها زوجها العامل على “عربة الكارو” التي يملكها، فاستلت سكيناً، وانهالت عليه طعناً. هي ضحية وقاتلة في وقت واحد، وكانت تقتل نفسها للمرة الأخيرة وهي تقتله. ولذلك، غفلت عن إخفاء آثار حذائها على الرمال في مكان الجريمة، ولم تزل قطرات من الدم عن ملابسها. وربما قرّرت أن تقتل زوجها، بدلاً من أن تصبح مطلقةً، لأنها تعي جيداً أن المطلقة في مجتمعنا هي أيضاً جانية ومجرمة، وطلاقها يعني زوجة ثالثة لطليقها، لا أكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق