مقالات

بسمة النسور- مغبّة التفكير الحر

لا بد من الاعتراف بأن العلاقة بين القارئ والكاتب تغيّرت كثيراً في السنوات الأخيرة، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي التي قلّصت المسافة بينهما. وفي حين أطيح الكاتب من عليائه، فهبط مجبراً من برجه القصي المعزول المحصّن بوهم التفوّق المعرفي، لم يعد القارئ كذلك مجرد متلقٍّ بالمعنى التقليدي المعهود، بل أصبح شريكاً مؤثراً في هذا السياق، وذلك من خلال التفاعل الفوري الذي بات متاحاً للجميع من دون استثناء. 

ويعاني زميلات وزملاء كثيرون من كتّاب المقالات الصحافية خصوصاً، من ورود تعليقات قاسية على مقالاتهم، تصل إلى حد الشتائم والتخوين والتكفير. وفي أحيان كثيرة، تصل تعليقات أقل قسوة، لا تخلو من موضوعية وتوازن، من حيث زاوية التناول. قد لا يتفق الكاتب مع ما جاء فيها من آراء ووجهات نظر، بل إن بعض الزملاء يستفز جداً، ويتملّكه الغيظ والغضب من أسلوب طرحها. ويبالغ معلقون، أحياناً، في ردود أفعالهم على مقال ما، فتتسم تعليقاتهم بالعصبية والتوتر والشخصنة، على الرغم من أن التعليقات الواردة إلى مواقع الصحف الكبرى تخضع للتحرير وتهذيب الألفاظ الجارحة، فتظل الخسائر المعنوية في حدها الأدنى، على غير ما تفعل مواقع خاصة محلية وعربية، حيث التشنج والطروحات الإقليمية والطائفية والمذهبية، واغتيال الشخصيات والتشهير على أشده، من دون أي ضوابط من أي نوع. 

ويقع زملاء في فخ التبرير والشرح والإطالة، ولا ينجحون غالباً في ضبط أنفسهم، وينبرون في أخذ ورد وجدل لا ضرورة له، ولا طائل منه. الكاتب المتوازن، من وجهة نظري، هو من يقول كلمته ويصمت متأملاً، من دون أن يحرص على مجادلة القراء في ما ذهبوا إليه من استنتاجات وأحكام وخلاصات. ولا بد لنا في هذا السياق، كتّاباً وكاتبات، من تدريب أنفسنا على احترام مساحة التعبير عن وجهات النظر المتباينة للقرّاء، على اختلاف توجهاتهم ومستوى ثقافتهم، والتسليم بمبدأ التفاعل الحر مع منتج الكاتب الفكري، وهي مساحة شديدة الأهمية، لأنها كفيلة بتسليط الضوء على مضمون المقال، كما أنها معيار مهم لمدى نجاح الكاتب في الوصول إلى مختلف نماذج القراء. ليس لدينا خيار سوى إعادة تأهيل أنفسنا، لكي نصبح أكثر انفتاحاً على الآخر، على الرغم من صعوبة الأمر، بسبب موروثٍ هائل من القمع، كامن في أعماقنا. 

لماذا لا نجرّب سماع وجهة النظر الأخرى والتأمل فيها، وافتراض أنها قد تكون أكثر دقة. لعلنا نتجاوز عقدنا الدفينة، ونتقن، على سبيل التغيير، مهارات الحس الديمقراطي واحترام آراء الآخرين، مهما كانت مناقضةً لرأينا، وهو تدريب أعترف بأنه ليس سهلاً، في ظل ثقافةٍ تربّى عليها، وتأثر بمفرداتها، جيل بأكمله، وهي ثقافة ليست متسامحة على الإطلاق، تضيق ذرعاً بالرأي المخالف، ولا تنظر بعين العطف والتفهّم إلى من تسوّل له نفسه الخروج عن المنطق السائد. حدث كثيراً أنْ قُمعنا على مقاعد الدرس، واتُّهم بعضنا بالوقاحة وعدم احترام المعلمين، لأنه تجرأ على النقاش، وطرح أسئلة خارج حدود المنهج المقرّر. ولم تختلف وسائل التربية الأسرية آنذاك، فقامت بدورها بمهمة تدجين النفوس المتمردة، تحت عناوين احترام الكبير والتأدب في حضرته، وعدم مناقشته في أي أمر. 

أذكر أنني، في مرحلة التوجيهي، أجبت على استبيان وزّعته علينا الأخصائية الاجتماعية، بعد أن أكّدت علينا ضرورة الإجابة بصراحة، وبدون خوف، مع ضمان الحفاظ على خصوصية الإجابات وعدم التعرّض لأي عقوبات. كان السؤال: أي المعلمات تكرهين، ولماذا؟ أجبت بدون تردد: أكره معلمة الرياضيات. وتحت بند السبب، كتبت بكل بساطة: مجرد شعور. ما حدث بعد ذلك أعتبره من ذكرياتي المريرة، فقد تم التعرف على خطّي، واستدعاء والدتي لكي تتعاون والهيئة التدريسية في تأديبي وتصويب سلوكي. وتعرّضت، طوال عام، لسخط معلمة الرياضيات التي صنّفت إجابتي البريئة آنذاك بأنها قلّة احترام! وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات، ظلّت تلك الحكاية عالقة في البال، درساً عملياً مبكراً في مساوئ التعبير الحقيقي عن الذات، وفي مغبّة التفكير الحر!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق