مقالات

سعادة أن ترتبك- غازي الذيبة

كتبت نصا، حتى اللحظة لا أجد له تصنيفا، أو أنني لا أريد، فقط أزعم أنني كتبته بكامل شغفي للنثر. أنا شاعر، هكذا تعلمت من الشاعر الأميركي أزرا باوند، أن أتجرأ وأقول أنا شاعر، بملء قلبي، وأنا ألمسها كما ألمس قلب الضوء.

اليوم، وقعت النص “متاهة السرداب.. أو تحت الذبح”، وقعته وأنا مرتبك من الوقت، من الامتثال لفكرة أن أجلس خلف طاولة، أصغي لمن يتحدث عنه، ومن ثم أن أتحدث عن نص وضعته، بينما تحدق في عيون كثيرة، تنتظر ما سأقوله، وعلي أن أقول ما يجعل اللحظة بيني وبين أصحابها مختلفة، جديدة، فكثيرون من يوقعون أعمالهم المسجونة بين دفتي كتاب، ولا أريد أن أكون من الكثيرين. 

بعد ستة كتب شعرية أوقع هذا النص النثري، وكما لو أنها رفة جفن. فنواته كانت مقطعا شعريا قرأته في ناد بمخيم شنلر قبل أعوام، تركته لعامين، ثم حين عدت إليه، لأرى كيف أصبح، وجدتني أحفر في منطقة شغوفة بالنثر، منطقة، تذهب نحو السرد المتفتح على مساحات شاسعة من الركض في برية، تتصادى فيها الكلمات بين الشعر والسرد، والغضب.

قلت حينها سأكتب نصا، يمكنني أن أبدأ بقراءة أي صفحة منه، فتكون هي البداية والنهاية في آن. أردت أن ألعب مع الكلمات، أن أصوغها وهي تنبض في مساحة اشتعال شاق نحو الكتابة الحرة، فأي كلمات ستحتاج مثل هذه الكتابة؟ كان بداخلي شغف لأن أقرأ الحرية، كيف تبدو وأنا أكتبها، وما هي إلا دفقة واحدة حتى خرج النص من بين الصلب والترائب.

خرج طريا، غضا، مصابا بلهفة التواري. نص لم يحتمل أن أمسك به كثيرا، قلت سأمزقه، تريثت، وهي عادتي، أن أكتب وأمزق، الآن صرت أمحو. ثمة أوراق كثيرة سودتها وبيضتها، وتركتها تغيب عني، هذه “المتاهة” كانت ستصاب بذلك.

حين جلست خلف الطاولة لأصغي إلى حفل توقيع نصي، كنت أسمع صوتا شاقا في داخلي، يسألني عن جدوى ما ذهبت إليه: لم النثر؟

والنثر سعادتي، فرحي المبهج بالكلمات وهي تتحرك دون نطاق يحصرها بحد، فكيف إذا كانت تحكي عن الحرية. أردت النثر لا غير هذه المرة، لأنتشي، لأثمل، لأصحو واتفقد الورق وهو يصبح كتابا، أوقع صفحته بعد الغلاف بكثير من القلق والارتباك والحب.

(الغد)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق