مقالات

حلمي الأسمر: عدو في جيبي

الهاتف الذكي: عدو في جيبي

ساقتني مصادفات إلى أكثر من لقاء مع أحد خبراء أمن المعلومات، ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يسمى الإعلام الجديد، والجرائم الإلكترونية، وهالني حجم المعلومات ومدى خطورتها التي تتعلق بالتحديد بالهاتف الذكي، ومدى ما يفعله في حياتنا، من دون أن ننتبه إلى كونه نقمة كبرى، قبل أن يكون نعمة!
أول ما فاجأني به أنه من الممنوع أن “ينام” الهاتف قرب رأسي، بحجة أنه ينبهني للاستيقاظ، في الوقت الذي أريد، أو أنه يبقيني على تواصلٍ مع الأهل والمعارف. وجود هذا الهاتف في غرفة النوم كارثة إلكترونية، ليس بسبب كونه “مفاعلاً نووياً” صغيراً فقط، بسبب ما يصدره من إشعاعات، بل لأنه يمكنه أن يكون العين الثالثة التي تراقبك، وأهل بيتك، حيث في وسع طرف ثالث أن يدخل عليه، ويشغّل كاميرته، وينقل كل ما يجري في غرفة نومك. لا تستغرب، هذه هي الحقيقة من رجل خبير، والحل؟ ناموا بعيداً عن هواتفكم، ألقوا بها في مكان ناءٍ، وليس مهماً أن تكون مغلقة أم لا، فهي “شغّالة” حتى لو رميت بالبطارية بعيداً.
ثاني ما أثار اهتمامي أن الهاتف الذكي لا يُباع بعد استعماله أبداً، لأن ثمة برامج تستدعي كل المعلومات التي دخلت عليه، منذ ساعة استخدامه بعد خروجه من المصنع، ولا ينفع هنا “فرمتته”، أو إعادته إلى حالة “ضبط المصنع” فثمة متسع في الهاتف، لتخزين كم هائل من المعلومات، عبر عملية فنية معقدة، تجعله يحتفظ بالصور والأفلام والمعلومات الأخرى بشكل مضغوط، منذ اللحظة التي بدأت عملية تشغيله، والأمر ينطبق على “الهارد دسك” الخاص بجهاز الكمبيوتر، مهما كان نوعه. ولهذا، نلاحظ أن الأجهزة المستعملة التي نستوردها من الخارج تخلو من الهارد دسك، أو أنه متلف بشكل كامل.
ثالث التنبيهات التي أضاءت اللمبة الحمراء سياسة بيع حزم الإنترنت للهواتف الذكية لكل من يطلبها، بغض النظر عن سنه، وهي سلعة في غاية الخطورة، ويجب أن لا تُباع إلا للراشدين فقط، شأن السجائر، وأي سلعة مشابهة، لأن استخدام هذه الحزم للدخول إلى شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من دون رقابة، ومن أطفال دون سن الرشد، يعرّضهم لمخاطر بلا حدود، خصوصاً وأن عصابات وأفراداً يتربصون بهم، لإيقاعهم في شبكات الابتزاز والتحرّش والشذوذ، وما لا يُحصى من كوارث، معروفة وغير معروفة. مطلوب هنا من قادة الرأي العام، وفعاليات المجتمع، كتابا وصحفيين ونوابا، وكل من له رأي مسموع، أن يتحرّك لوضع تشريع يحظر بيع حزم النت، إلا للراشدين.
أخطر ما قاله لي الخبير، وكله خطير ومرير، هو قدرة العدو الصهيوني على مسح أي هاتف

ذكي، وسحب المعلومات منه، من كل من يمر قرب دورية. وهنا، تنتفي الحاجة للثام وإخفاء الوجه، لدى شباب الانتفاضة، ما دام العدو يستخدم تقنية جديدة جداً، قادرة على الدخول لأي هاتف ذكي، ضمن مدى معين، وسحب كل معلوماته، وربما تشغيله أيضاً، ما يقتضي من كل من يريد أن يبقى في منأى عن خطر الاصطياد، ألّا يحمل هاتفا ذكياً، وحمل هاتف بدائي، إن كان ولا بد، من تلك الهواتف “الغبية”، لكنها آمنة.
لم يتوقف الأمر عند هذا، فقد فجر حديثي مع الرجل جملة قنابل كبرى، جعلتني أنظر إلى هاتفي الذكي وكأنه عدو لئيم يتربص بي، حيثما حللت. فمثلا، نحن نعتاد أن نبقى كلمات السر الخاصة بنا التي تخولنا للدخول إلى الإيميل وصفحات التواصل الاجتماعي محفوظة على المتصفحات، وهذا خطير جدا، إذا ما فقدنا أجهزتنا، أو سرقت منا، مثلا، حيث في وسع كل من يصل إليها أن يُغير على معلوماتنا، ويسحبها، ويستعملها في غير الغاية التي نستعملها، ما يوجب علينا أن لا نحفظ كلمات السر على المتصفح، بل أن نخرج من أي حساب لنا على النت، ونعيد الدخول، في كل مرة، نريد استعمالها.
وثمة أمر في غاية الخطورة، متعلق بالتطبيقات اللعينة على هواتفنا الذكية، حيث إنها نوافذ للتجسس على كل ما نفعله، فمثلاً، تطلب بعض التطبيقات، أو كلها تقريبا، منا أذونات للدخول على معلوماتنا، وأنظمة التشغيل الخاصة بأجهزتنا، وبمجرد الموافقة التي نعطيها للتطبيق، يكون في وسعه أن يسحب كل ما يتعلق بنا من معلومات، والنصيحة الغريبة هنا التي يسوقها لنا خبير أمن المعلومات، أن لا نستخدم أياً من التطبيقات الخاصة بالهواتف الذكية، وكي نكون في منأى عن أي خطر، يتعين على كل منا أن يمسك بهاتفه الذكي، ويعيده إلى حالة “ضبط المصنع”، وفي حال أراد الدخول إلى حسابه على “فيسبوك” أو “تويتر”، مثلاً، أن يعتمد في هذا على متصفح جوجل كروم، ويقوم بعملية التسجيل، وحينما يفرغ من عملية التصفح يغلق حسابه، وينهي عملية التسجيل، ويخرج من الصفحة بشكل كامل، كما عليه أن يقوم بعملية تنظيف كاملة للمتصفح، من خانة “السجل” أو التاريخ، كي لا يبقي أي أثر لحركاته على هذا المتصفح.
هالني عدد الجرائم الإلكترونية التي ترتكب في الأردن، وغيره من بلاد العالم، (عمليات الابتزاز والتحرّش الجنسي وغيرها) عبر سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، علماً أن التشريعات التي تضعها الدول لم تزل قاصرة عن تتبع السرعة التي يتم فيها ابتداع الوسائل الجرمية للهاكرز (قراصنة الإنترنت)، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأمن الدول، والأشخاص المهمين، مثل رجال الأعمال، والشخصيات العامة، والتجارة الإلكترونية والتسوق عبر الإنترنت، وغيرها من أنشطة “الأونلاين”.
بدا لي من جملة تلك المعلومات، أننا أمام حربٍ من نوع آخر، لا يعلم مدى خطورتها، على المجتمع والأمن العام للدول، إلا من أطل على ذلك العالم السري الذي تنشط فيه أجهزة الاستخبارات، وأعوانها من الهاكرز. ولأعترف، أنني، منذ تلك الإطلالة اللعينة، بت أنظر إلى هاتفي الذكي نظرتي إلى عدو لئيم يتربص للإيقاع بي، إن لم أحسن لجمه، والسيطرة عليه بمنتهى الحرص، والعلم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق