مقالات

أمينة خيري- حرج ديبلوماسي

شهد «الربيع العربي» دخول الإعلاميين التلفزيونيين على خط العمل الثوري حيناً والمقاومة الرسمية حيناً والتحول والتلون بين الثورة ورفضها أحياناً.

التنقيب في أغوار الأرشيف العنكبوتي الحافظ برامجَ تلفزيونية تعود إلى أزمنة ما قبل الثورة وأثناء اندلاعها يمكنه وبسهولة ويسر التعرف إلى توجهات كثيرين.

الفراغ الكبير الذي خلفه تحلل الأحزاب ملأته جحافل الإعلاميين الذين نجحوا في تحويل كثير من الشاشات إلى منابر حزبية أشعرت المشاهدين بأن بلادهم تنعم بمشهد سياسي حزبي لا يقل عن أعتى ديموقراطيات العالم. فبعدما نزع معظم أولئك الإعلاميين عن أنفسهم رداء «محامي النظام» وباتوا في حل من تأييد وتلميع الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها وأسقطت بعضها، تنقلوا في ساحات سياسية أكثر رحابة حيث تقمص دور المعارضة اليسارية حيناً والدفاع عن مصالح أهل اليمين حيناً والتنقل كالنحلة بين الاشتراكية الثورية والكلاسيكية الاستمرارية أحياناً.

الطريف أن هؤلاء أعادوا ضبط زواياهم وأحكموا قبضة كاميراتهم على التوجهات السياسية الجديدة التي تلت مراحل انتقالية وفترات ما بعد الثورة، والتي أنتجت أنظمة جديدة هنا أو استنساخ أخرى قديمة هناك. وبرعت الشاشات في نقل المشاعر الفياضة التي عبر عنها الإعلاميون عبر الشاشات تجاه الأنظمة الجديدة، لا سيما تلك التي أبدت ملامح بقاء في السلطة.

صحيح أن بعضهم بذل جهداً للحفاظ على ماء الوجه، مع تشديد على تعضيد النظام في الحق ومعارضته في ما عدا ذلك، أو التلويح دائماً وأبداً بأنه لم يكن يوماً «مذيع النظام» وأنها لم تكن أبداً «مذيعة الرئيس»، إلا أن المشاهد يعلم تماماً من يعضد من ولماذا، ومتى يتوقف عن التعضيد ولماذا أيضاً. وزاد طين التحول والتلون بتقريب بعض الأنظمة عدداً من الإعلاميين إلى دوائره، فوجد هذا المذيع نفسه مدعواً إلى احتفال الرئيس اليوم ورحلة الوزير غداً وافتتاح المشروع بعد غد. وقد أدى ذلك إلى دفع مزيد من حمرة الخجل إلى الوجنات كلما تطلب الأمر توجيه انتقاد لمسؤول هنا أو معارضة رئيس هناك.

وفي الأشهر القليلة الماضية، دخل الإعلاميون بقوة على خط السياسات الخارجية والتواؤمات العربية، وذلك في ضوء تقلبات الأوضاع حيث حروب تتكبدها مجموعات دول في دولة ما، أو صراعات مصالح تخوضها دول في صراع ما. وتحت وطأة الحرج السياسي وربما الدهاء الديبلوماسي، تقرر أن يشارك الإعلاميون وتضلع الشاشات في هذه الصراعات المحتدمة. ولعل هذا ما يفسر جرأة مذيع مثلاً في مطالبة إدارة دولة شقيقة بتعديل سياساتها الخارجية، أو جسارة مذيعة في إلقاء اللوم على دولة جارة لأنها أقدمت على تحركات ما اعتبرتها عارية من الحكمة. على ما يبدو إنها ملء فراغ عربي جديد عبر تحميل الإعلامي التلفزيوني بمهمة جديدة، سواء بمبادرة شخصية منه أو بتكليف رسمي غير مباشر تقليصاً لهوامش الحرج وتقليلاً لحساسيات تضارب المصالح واختلاف المقاصد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق