مقالات

لعبة الإيحاء- رشا عمران

لعبة الإيحاء

لم أكن يوماً من ذوات الخصر النحيل، أو الجسم الرشيق، لا أتذكر عن نفسي إلا الحرمان من كل ما تشتهي البنات ارتداءه، الحرمان (العلني) أيضاً من كل ما تشتهي النفس تذوقه وأكله، إذ كان هذا من الممنوعات، فكل ما هو شهي يزيد في الوزن الزائد أصلاً، وكان يمنع عني قولاً وفعلاً. لهذا، غالباً ما كنت، سراً، ألتهم ما حرمت منه، وللسر سحره، يضيف ألقاً على كل ما هو عادي. كان لطعم عرنوس الذرة المشوية الذي أشتريه، وآكله سراً، طعماً يقترب من طعام الجنة، الطعم نفسه كان للآيس كريم، البوظة، كما نسميها في سورية. أما الاستيقاظ من النوم ليلاً، بعد نيام الجميع، والدخول إلى المطبخ وفتح البراد وتناول رغيف خبز أضع فيه كل ما تشتهيه نفسي، ثم التسلل إلى الفراش، وقضم ما حملت بهدوء وتلذذ مكتوم، فكان يشبه قبلة طويلة أتبادلها سراً مع ولد على درج بناية معتمة، فيهما من اللذة والتحدّي ما يجعلني دائمة الشغف بهما.

لم يتغير الأمر كثيراً، وأنا أتدرج في سنوات عمري، ظل جسدي محتفظاً بتكويراته الممتلئة، والزائدة بوضوح عن الوزن الطبيعي، وظللت أشتهي ارتداء ما لا أستطيع ارتداءه، على الرغم من أن شكلي المكور كان ملاحقاً من نظرات الذكور الذين تثيرهم الأنثى الممتلئة. كنت، وما زلت، أشكر الحياة أن ثمة من يرى في هذا النمط من الشكل الجسماني جمالاً ما، وظلت علاقتي بالطعام تسير على الشغف نفسه، التحول الذي حصل فيها معرفي وثقافي، بوصف الطعام إحدى متع الحياة القليلة الجميلة، حيث ثمة متع أخرى كانت لتحل محلها، لو كنت أملك المال، كالسفر والتعرف على بلاد العالم، واكتشاف ثقافاتها وفنونها، وهو ما كنت أعوّضه بالقراءة، شغفي بها كان يشبه شغفي بالطعام. كنت أيضاً، أيام المدرسة، أخبئ الروايات والمسرحيات والكتب الممنوعة تحت الكتب المدرسية، وفي السرير وتحت المخدة، على الرغم من أنني ولدت في بيت يشجع على القراءة، إلا أن التفوق الدراسي كان من النصائح اليومية الأسرية، النصائح التي طالما رفضتها وفعلت عكسها. لهذا لم أتفوق يوماً في دراستي، ولم أكملها، كما كانت تشتهي أمي. كانت القراءة البديل الذي رأيته أكثر جمالاً ومتعة. كنت أتخيل نفسي بطلة الروايات أو المسرحيات التي أقرأها، أتخيل نفسي طويلة ورشيقة وأنيقة، لكي أناسب دور البطولة، غير أن هذا كان يحصل في الخيال فقط، ساعدني الخيال على الاستمرار في لعبة الازدواجية، معه أستمتع برشاقتي المتخيّلة، وخارجه أستمتع وأتلذذ بالطعام. لهذا، ربما، تعودت على التصرف مع نفسي بوصفي رشيقة، قدمت نفسي للآخرين كما أشعر بنفسي: أنثى بجسد ممتلئ جميل، على الرغم من أن الامتلاء كان فائضاً عن حاجة الجسد، وكنت أدرك هذا، إلا أنها كانت لعبتي مع نفسي، لعبة الإيحاء التي أخذت مني وقتاً طويلاً، حتى استطعت إتقانها. كانت المفارقة الكبرى حين أتعرّض للنقد الثقافي أو الشتائم السياسية، كان أصحابه يبدأون دائماً بالتعرض لبدانتي، بوصفها نقيصة، بعض من كانوا أصدقاء، ذات يوم، فعلوها كتابة عني. كانت نديّتي لهؤلاء تقلقهم وتكشف ذكوريتهم الاجتماعية الكامنة، وفهمهم السطحي والهش والمريض للأنوثة. نادراً ما انتقدني أحدهم كتابة من دون التعرض لشكلي. كان هذا يزيدني إصراراً على البقاء كما أنا، وعلى التمتع بالملذات المتاحة لي كما أنا، والاستمرار في لعبة التحدّي والإيحاء التي أصبحت جزءاً أساسياً من شخصيتي لا يكتشفه إلا من يمتلكون حساسية بالغة الخصوصية، والمذهل أن هؤلاء في غالبيتهم نساء صديقات!

الآن، وقد تجاوزت الخمسين وأعيش وحدي، ألعب مع جسدي لعبة غامضة، فقدت بضعة كيلو غرامات، أمشي يومياً مسافة طويلة، لكنني ازددت شغفاً بالطعام، أجرّب وصفات عديدة،  وأخترع وصفات أخرى، ليس فقط من أجل التلذذ بطعمها، بل من أجل فكرة التحدّي نفسها، التحدي الشخصي مع الأنثى التي بي كي تثبت ذاتها كما هي، والتحدّي مع الزمن الذي يمر بسرعة مذهلة. الغريب أن فكرة الإيحاء لم أعد ألمحها داخلي دائماً، تختفي طويلاً، كما لو أنها أنهت وظيفتها معي، وتعود أحياناً، حين أمر بلحظات ضعفٍ، أفقد فيها ثقتي بنفسي.

– See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/12/18/%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AD%D8%A7%D8%A1#sthash.CRVDy1Hc.dpuf

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق