مقالات

عبده وازن.. ورق… حبر وعطر

كل ما كُتب عن «احتضار» الكتاب الورقي ونهوض الكتاب الإلكتروني على أنقاضه لم يكن إلا ضرباً من اللغو العبثي. الكتاب الورقي سيظل في الواجهة وهواته سيكونون هم الغالبين، أما الكتاب الإلكتروني فيبقى له رواده وهم ليسوا بقلة أصلاً. بيانات النعي التي رثت الكتاب الورقي لم تكن إلا حبراً على ورق وقد كذبتها الأرقام الجديدة الصادرة عن مراكز عالمية، ومنها على سبيل المثل بيانات منظمة اليونسكو. أميركا التي كانت سباقة في استقبال الكتاب الإلكتروني و «التبشير» به، والتي توقّع بعض «منجّميها» اختفاء الكتاب الورقي خلال بضعة أعوام، بدأ مبيع الكتاب الإلكتروني يتراجع فيها تراجعاً ملحوظاً بلغ هذا العام نسبة اثنين وثلاثين في المئة. وهو كان أصلا باشر انحداره منذ عام 2012 متراجعاً من عشرين مليون كتاب مبيعاً في السنة إلى اثني عشر مليوناً وفق الإحصاءات الأخيرة. ومن المتوقع أن يزداد انحسار الإلكتروني إزاء انتشار الورقي الذي لم يتمكن القراء من تجاهله أو التخلي عنه.

لم يكن من الجائز أصلاً افتراض صراع بين الكتابين هذين، وجعل هذا الصراع شبه قدري ينبئ بـ «موت» الورقي. وقد بالغ كثيراً دعاة الإلكتروني في الانتصار له وحسم معركته بلا هوادة. هذا اعتداء ليس على الكتاب فقط، بل على القراءة والقارئ، وعلى تقليد تاريخي لا يمكن التهاون حياله. وقراءة الكتب الورقية لا تزال هي الأسلم والأصح وفق الأبحاث الحديثة. قراءة الورقي أثبتت أنها أجدى من قراءة الإلكتروني، فهماً واستعياباً، وبدا التفاعل مع الكتاب الورقي أعمق وآلف وأشد مرونة وتعاطفاً. وأثبت الباحثون أن الكتاب الورقي يوفر للقارئ مزيداً من الثبات والصلابة والمراس بينما قراء الكتاب الإلكتروني أقل صبراً وتؤدة، وقراءتهم غالباً ما تغدو متقطعة ومبعثرة، ووقفاً على ظروف القراءة نفسها، وهي ظروف خارجية وعارضة.

لم أتصور نفسي يوماً قارئ كتاب إلكتروني إلا عند الضرورة طبعاً. حتى قراءة المقالات على شاشة الكومبيوتر والإنترنت لا تجذبني كثيراً. في أحيان إذا اضطررت إلى قراءة مقال طويل أعمد إلى طبعه ورقياً. لا أستطيع أن أقرأ من دون قلم بين أصابعي. التزييح تحت الجمل وتدوين بعض الملاحظات على هامش الصفحات هما من أفعال القراءة، ولعلها لا تكتمل إلا بهما. أشعر بأن الصفحات الإلكترونية تُقرأ في حال من الحياد واللاحماسة حتى ولو بدا ممكناً التسطير فيها تحت الجمل المختارة. أنت تحتاج إلى القلم لتدوّن انطباعك على الهامش ولتعود إليه من ثم فتكتشف كيف قرأت الكتاب في المرة الأولى وكيف تقرأه الآن. وليس أجمل من العودة إلى كتاب قرأته قبل أعوام، طويلة أحياناً، فتقرأ ما دوّنت على صفحاته، فتضحك أو تُعجب، وقد تدوّن مرة أخرى ملاحظات لم تخطر في بالك سابقاً. الكتاب شبيه صاحبه، هذا الإنسان «المفرط في إنسانيته»، يكبر معه أو يظل يشده إلى الفتوة التي هي هنا فتوة القراءة.

وعلى رغم الحماسة التي تجذبني إلى الكتاب الورقي والحب الذي أوليه إياه، أعتقد أن الانحياز لكتاب دون الآخر بات غير مجد وغير منطقي. ليقرأ القارئ ما يشاء وليختر ما يشاء. لم يعد ممكناً حذف الكتاب الإلكتروني وصفحات الإنترنت من حياتنا مهما أصررنا على الانحياز إلى الورقي. لا كتاب يلغي كتاباً، ولا قراءة تنفي قراءة. ومعارض الكتب والمكتبات يمكنها التوفيق بين النوعين، وإن كان معرض الكتاب يعني أن يزور القارئ أجنحة مملوءة كتباً يستطيع أن يتصفحها ويلقي عليها نظرة عن كثب. وشخصياً لا يمكنني أن أتصور معرضاً للكتب وقفاً على الإلكترونية فقط. هذا واحد من معارض الأسطوانات المدمجة وأقراص الألعاب الإلكترونية التي يتحمس لها اليوم، الأطفال والفتية.

ليس أحبّ من كتاب تشم ورقه فتألف رائحته قبل أن تقرأه. كم من كتب أحفظ روائحها مثلما أحفظ جملاً منها. بعض الكتب تظل رائحتها في ذاكرتي وعندما أعاود فتحها أتنسّم عطرها بحبور. كلما فتحت كتاب «الأيام» لطه حسين في طبعة دار المعارف المصرية القديمة تذكرت حكاياته. وهكذا كتب «الجيب» الفرنسية التي كنت أقرأها في المدرسة، ما زلت مأخوذاً برائحة ورقها العذبة. الشمّ هنا هو جزء من القراءة. وكم من كتب لم أحب رائحتها قرأتها رغماً عني نتيجة احتياجي إلى قراءتها وكلما عدت إليها تحاشيت شمها.

لم يتراجع الكتاب الورقي وهذا دليل جدارة ووعي، أما تراجع الكتاب الإلكتروني الذي بدا واضحاً أخيراً، فأهله وهواته هم وحدهم المعنيون بأمره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق