مقالات

زاهي وهبي- يَشتعِلُ الرأسُ شَيْباً

والبسْ لِكلِّ زمانٍ بُرْدةً حَضَرَت

حتى تُحاكَ لكَ الأخرى من البُرَدِ

(ناصيف اليازجي)

 

يبدو الزمن معضلة «مزمنة» يواجهها الإنسان مذ كان على وجه البسيطة. فعلى رغم الأمداء الكبيرة التي بلغتها العلوم، لم يستطع حتى الآن فكَّ شيفرات الوقت وأسراره الكثيرة. آلاف الكتب والنظريات تحاول سبر أغوار الزمن وفهم حركته، أذهاب هو أم إياب؟ ثابت أم متحول؟ واحد أم متعدد؟ والغاية الأهم لتلك المحاولات تكمن في سعي الإنسان للبقاء وبحثه المضني عن «عشبة» الخلود وأسرار الوجود منذ جلجاميش الى ستيفن هوكينغ. ولا يغيب عن العارفين والمتابعين ما قطعه العلم الحديث من مسافات الى أمام، خصوصاً لجهة تجديد الخلايا البشرية والحفاظ على شبابها(ما هو غير معلن أكثر بكثير مما نعرفه في هذا المجال) لكن الملاحظ أيضاً أنه كلما قهر الطب البشري مرضاً ما ولدت أمراض جديدة، كأن من المحتوم على الإنسان خوض صراع أبدي مع أقداره، فيما يظل الموت اليقين الوحيد الموحش الذي لا جدال فيه ولا مناص منه.

قسَّم الفلاسفة والعلماء الزمن الى أزمنة متعددة منها: الطبيعي والنفسي والوجودي والاجتماعي والمعرفي، وكتبت أبحاث ودراسات حول الموضوع لم يكن العرب والمسلمون بعيدين منها منذ أبو علي المرزوقي الأصفهاني وكتابه «الأزمنة والأمكنة» وابن أبي الإصبع المصري صاحب «الأزمنة والأنواء». لكننا لسنا الآن في صدد البحث العلمي والفيزيائي في الزمن ومفاهيمه، ما نحاوله هو التوقف قليلاً عند أثر الزمن فينا معشر البشر وكيفية تعاملنا مع هذا الأمر، خصوصاً أن بعضنا يتصالح مع الأيام وما تتركه من ندوب في الجسد والروح، فيما بعض آخر يعيش تقلبات واضطرابات نفسية في علاقته بالوقت وما يتركه من بصمات.

صغاراً كان الشباب على رأس قائمة ما نصبو اليه، نمنّي النَّفس بأن نطوي السنين ونستعجل العمر حتى نكبر. أحياناً كنا نعمد الى كذبة بيضاء فنزيد عدد سنواتنا قليلاً متى سئلنا عن أعمارنا، ولما كبرنا صرنا (أو صار بعضنا) نفعل العكس. صغاراً نتمنى أن نكبر سريعاً، كباراً نحلم بالمستحيل: أن نعود صغاراً. فيروز غنت «تعا تا نتخبى من درب الأعمار، اذا هني كبرو ونحن بقينا زغار، سألونا وين كنتو؟ ليش ما كبرتو أنتو؟ منقلن نسينا، واللي نادى الناس نسي ينادينا». يا الله كم في هذه الأغنية الجميلة من عمق فلسفي بأسلوب سهل ممتنع، وكم فيها من توق الى طفولة يتمنى المرء لو يستطيع إخفاءها عن ناظرَي العمر وتقادم الأيام، وكم هي لسان حال كثيرين ممن لم يتصالحوا مع أعمارهم، أو مَن يستعيدون زمن الطفولة بكثير من الحنين والشجن والرومانسية. لكن أليس متعباً ومقلقاً عدم التصالح مع الزمن ومحاولة العودة المستحيلة؟ أليس العمر اتجاهاً واحداً ممنوع فيه الالتفاف الى الخلف؟ بلى، الالتفاف ممنوع، لكن الالتفات مسموح، وهو ما نسميه الحنين أو التذكر وسواها من حالات فُطِر الإنسان عليها.

أفضل الطرق للاحتفاظ بالطفولة ليس التخفِّي من درب الأعمار، هذا غير ممكن (أقلّه حتى الآن)، بل أن نحمل طفولاتنا معنا، أن نحتفظ بقلوب الأطفال الذين كنّاهم يوماً. طبعاً هذا ليس سهلاً، يحتاج تمريناً يومياً وتدريباً للذات وترويضاً للنفس حتى لا تفقد فطرتها السوية وبراءاتها الأولى في عالم فاقد أصلاً معظم معاني إنسانيته. حين نحمل الطفولة في داخلنا نضمن بقاءها حية طوال العمر، والعمر ليس مخيفاً الى الدرجة التي يخالها البعض، التصالح معه ليس بالضرورة عبر البوتوكس والحقن التجميلية والجراحية على أنواعها (وهذه حرية شخصية لا ندينها بل ندعو الى عدم الإفراط فيها). أنجع المصالحات مع الزمن تلك النابعة من داخل، من الوعي بالذات وفهم حاجاتها ورغباتها ونزواتها وجموحها وتمردها، والسعي الى ترويض ما يجب ترويضه لكي تجنح النفس الى السكينة وبساطة الرِضا. كلما تقدمتُ في العمر عاماً قلتُ لنفسي: حسناً يا فتى(!) كسبتَ عاماً آخر، لا خسرتَ واحداً. وكلما بلغتُ عقداً من العمر جديداً شكرتُ الله لأنه منحني فرصة اختبار مرحلة من العمر جديدة. نعم، لكلِّ عقد حلاواته و»جمالاته»، لا نقولها من باب العزاء، بل من قناعة تامة ترسَّخت بالتجارب والمحن. حتى الوجع يغدو فرصة روحية حين نتعامل معه بوصفه اختباراً ومطهراً.

سعيداً أتمعن في بياض تسلّل خلسة الى الرأس والصدغين، أليست هبة مشكورة أن تعيش حتى ترى ما تراه؟ وأسأل نفسي: تراني أحظى بفرصة رؤية الرأس وقد اشتعل شيباً؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى