مقالات

الوجه القبيح لأميركا- خليل العناني

الوجه القبيح لأميركا

لا يمكن اختزال حالة “الإسلاموفوبيا” المتصاعدة حالياً في أميركا باعتبارها مجرد حدث طارئ، أو “حالة موسمية” خاصة مع احتدام الصراع الانتخابي، وانزلاق الدعاية الانتخابية للمرشحين، خصوصاً داخل الحزب الجمهوري، إلى أسلوب ديماغوجي وشعبوي، هدفه تسجيل نقاط سياسية. ولا يمكن بحال التقليل من التداعيات المستقبلية لهذه الموجة على أوضاع المسلمين في أميركا، خصوصاً على المستوى المحلي الذي بات طرفاً أصيلاً في هذه المعركة السياسية، وسط حالة غير مسبوقة من المزايدات السياسية بين المرشحين، حول ما يمكن أن نسميها “المسألة الإسلامية” في أميركا، والتي وصلت إلى حد المطالبة بمنع المسلمين من دخول أميركا على غرار ما اقترحه المرشح الجمهوري الأخرق دونالد ترامب.

وإذا كان بعضهم يرى في تصريحات ترامب أنها تحمل نفساً عنصرياً زاعقاً، إلا أنها تعكس تياراً شعبياً ينمو ببطء داخل أحشاء السياسة الأميركية، على المستويين القومي والمحلي، يعاني من مشكلة مع الأجانب، ويطالب بإغلاق باب الهجرة للجميع، بما فيهم المسلمون. وإذا كان ترامب يعكس أقصى اليمين السياسي الذي يتبنى الخطاب المعادي للمسلمين داخل الحزب الجمهوري، فإن مواقف غيره من قادة الحزب والمرشحين الآخرين للرئاسة، مثل السيناتور الجمهوري تيد كروز، تسير في الاتجاه نفسه، وإنْ بلغةٍ أقل حدة وتهوراً من لغة ترامب، لكنها تحمل المحتوى نفسه من العنصرية والعداء للأجانب، وخصوصاً المسلمين. الملفت، هنا، ليس فقط صعود هذا التيار وتمدده، بحيث أصبح جزءاً من النقاش العام، وإنما بالأساس في محاولة شرعنة قضيته، وتبريرها داخل الأوساط السياسية الأميركية. بكلمات أخرى، فبدلاً من أن يُنظر للقضايا التي يطرحها هذا التيار باعتبارها قضايا “هامشية”، تدور على أطراف السياسة، أصبحت قضايا مركزية، تحتل مساحة كبيرة من النقاش العام، بمستوييه النخبوي والشعبي. لا يختلف هذا التيار الأميركي كثيراً عن تيار اليمين المتطرف الذي بات يشكل ملمحاً أساسياً من السياسات المحلية في أوروبا، بدءاً من حالة خيرت فليدرز في هولندا، مروراً بتيار الجبهة الوطنية في فرنسا الذي تقوده ماري لوبان، والذي كاد أن يفوز بانتخابات الأقاليم الفرنسية التي أجريت قبل أسبوعين، وانتهاء بتيارات اليمين في ألمانيا وبريطانيا، والتي يزداد حضورها وتأثيرها السياسي بشكل واضح.

أما الملفت في الحالة الأميركية ليس فقط أن صعود هذا التيار اليميني يسير عكس الفكرة الأساسية التي قامت عليها الولايات المتحدة نفسها، وهي فكرة “الهجرة” وتوطين الأجانب وضمان حريتهم ومواطنيتهم، وإنما أيضاً أنه ينقض الكثير من أسس مقولات “الحلم الأميركي” التي يتم ترويجها، باعتبارها جزءاً مهماً من “القوة الناعمة” للولايات المتحدة. ومن المفارقات أن شعار حملة ترامب الانتخابية هو “استعادة عظمة أميركا مرة أخرى”، وهو لا يدرك (أو ربما يدرك، ولكن يتجاهل متعمداً) أن هذه “العظمة” إنما جاءت من فكرة التعايش، وقبول الآخر، والترحيب بالأجانب، وفتح باب الهجرة للجميع، بغض النظر عن دينهم ومعتقدهم وعرقهم. وهنا مكمن الخطورة، حيث يري ترامب، ومن يؤيدوه، أن “العظمة” الأميركية، وعلى عكس ما آمن به الآباء المؤسسون، لا تنبع من منظومة القيم الليبرالية التي قامت علي أساسها الأمة الأميركية، وإنما من “القوة الصلبة”، بأشكالها المادية والاقتصادية والعسكرية. 

ويبدو أنه في ظل الصراع الانتخابي “الساخن” في أميركا، من المرجح أن تستمر “مسألة المسلمين” مادة حاضرة في هذا الصراع، وجزءاً من أجندة المرشحين، سواء داخل الحزب الجمهوري أو مع الحزب الديمقراطي، وهو، للأسف، ما سوف يغذي موجة “الإسلاموفوبيا” الراهنة، والتي سيدفع ثمنها مواطنون أميركيون، ذنبهم الوحيد أنهم مسلمون، وهو ما يعكس الوجه القبيح للسياسة في الولايات المتحدة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق