مقالات

معركة الشاشات

0c5235f6d3894934a48e6c16bff54693

أمينة خيري

معركة الشاشات

إنها اللحظة الحاسمة التي يمكن لأية قناة تلفزيونية أن تقتنصها. فقد كلت الملايين وملت، وأتلفت الأجهزة العصبية والأعضاء الحيوية، من فرط الهري والهري المضاد الدائرة رحاهما على مدار الساعة على أثير العنكبوت.

الملايين المنغمسة في هواتفها المحمولة وأجهزتها الكمبيوترية، بدت على قطاعات عريضة منها علامات التعب وإمارات السأم. فمنصات التعبير وساحات التغيير الافتراضية والتي سحبت البساط من تحت أقدام الشاشات الفضية، تواجه هذه الأيام تململاً شعبياً وحلحلة قاعدية.

القاعدة العريضة المتصلة بوسائل التواصل الاجتماعي التي تشهد نبرات متصاعدة من السب والتخوين لم تعد تكنّ مشاعر اللوعة والاشتياق، وأحاسيس الارتباط غير المشروط.

صحيح أن الغالبية ما زالت غارقة حتى أذنيها في غياهب «فايسبوك» وأغوار «تويتر»، لكن الفرصة الذهبية للشاشات الفضية تلوح في الأفق. أصوات الململة المتصاعدة، ومحاولات الحلحلة المتكاثرة لم تعد تخفى على أحد. لم تعد جلسة أسرية أو لمة اجتماعية تخلو من صب جام غضب، أو توجيه سهام خيانة، أو نعوت بالعمالة لفلان على «فايسبوك» أو علان على «تويتر».

صحيح أن موجات الغضب المتصاعد تجرى على أرضية لا تخلو من الهواتف المحمولة وقريناتها في أيادي جموع الغاضبين وتجمعات الساخطين، لكنها بداية طيبة. وتواكب البداية الطيبة براهين تؤكد أن اللمة الحلوة لا تحدث إلا أمام شاشة تلفزيون حيث مباراة ساخنة أو فيلم جديد أو مسلسل معاد، وكلها، وإن كانت متاحة على الإنترنت، تبقى إتاحة فردية حيث لا أصدقاء ولا أسرة ولا يحزنون.

الشاشات الفضية أغضبت بعضهم بفعل ضغوط السياسة ونيران الاقتصاد، لكن رصيدها لدى المشاهد الغاضب يسمح بإنقاذه من براثن الإنترنت المرعبة. فـ «الريموت كونترول» كفيل بإجلاء المذيع المستفز أو إقصاء الضيف الجاهل واستبدالهما بفيلم لفاتن حمامة وعمر الشريف، أو حتى ببرنامج مسابقات فقد بريقه تحت وطأة «داعش» وقريناتها.

المشاهد العربي في حاجة إلى راحة من العوالم الافتراضية التي كادت تبتلعه. لم يعد قادراً على الصولان والجولان في نقاشات مستمرة تخلخل معتقداته البديهية. كما لم يعد في العمر بقية لفقدان الأهل والأصدقاء، إن لم يكن قتلاً وسحلاً على أيدي الدواعش، فـ «بلوكاً» و»آنفرينداً» على أيدي «فايسبوك» و»تويتر».

الشاشات الفضية عليها أن تغتنم الفرصة، وتعيد المشاهد إلى مملكتها المتآكلة.

قليل من الترويج مع بعض التجديد قادران على منح الملايين طوق نجاة، أو ربما فرصة للاستشفاء، من خيوط العنكبوت التي تشابكت وتعاقدت وأجهزت على رقاب مستخدميها.

ربما تكون فكرة مناهضة للديموقراطية أو معادية للحرية، لكن قليلاً من المشاهدة غير المسيسة لا يضر، ودقائق من المشاركة ولو مع الفرقاء لا تقتل.

الحياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق