مقالات

محلل استراتيجي- أمينة خيري

ستظل لعنة المحلل الاستراتيجي تطارد كل من ساهم أو دافع أو آزر الظاهرة. فالمحلل الذي ولد من رحم الشاشات، وانتشر عبر الفضائيات، وتضخم حتى أصبح أكبر من الحجم الحقيقي، صار قوة ضاربة.

ربما تطلق عليه هذه القناة محللاً، أو تسميه تلك خبيراً، أو تتعامل معه ثالثة باعتباره مستشاراً سياسياً لها. وربما أيضاً يكون شخصاً ذا حيثية، أو خبيراً صاحب رؤى وتجارب. ولكن من الوارد أيضاً أن يكون متسلقاً لبلاباً، أو مداهناً محتالاً، أو متربحاً مكاراً. وبالتالي فإن الأثير الذي لا يخلو من خبير استراتيجي يدلو بدلوه جالساً على يسار المذيع، أو قابعاً وحده أمام كاميرا البث عبر البحار، أو مثبتاً أمام الكومبيوتر حيث وسائل الاتصال العنكبوتية ومتصلاً بالشاشة، تحول إلى قوة ضاربة، لكنها تضرب يميناً ذات مرة ويساراً ذات مرة، ووفق اتجاه رياح المصالح والمكاسب دائماً.

فهذا خبير يحلل الضربات العسكرية باعتبارها دفاعاً عن الأمن القومي، وذاك يحلل الضربات نفسها بأنها اعتداء على السيادات. وهذا خبير يحشد الرأي العام لاستحسان الضربات الأميركية لـ «داعش» باعتبارها الأفضل في تاريخ الضربات صابّاً غضبه الاستراتيجي على الضربات الروسية لأنها الأسوأ والأقبح. لكنّ نقرة زر واحدة على الريموت كفيلة باستحضار خبير مضاد يصب جام غضبه على الضربات الأميركية ناعتاً إياها بالداعمة لـ «داعش» والمقوية لشوكة الإرهاب أمام الضربات الروسية الأفضل والأنجع والقادرة وحدها دون غيرها على دحر الإرهابيين والقضاء على التنظيم.

وبالطبع حفلت الشاشات الغربية طيلة الأشهر الماضية بموجات عاتية من الخبراء الاستراتيجيين الذين يصمون كل خطوة عربية لتطويق الإرهاب المحلي باعتبارها تضييقاً على الحريات وعصفاً بالحقوق وتذرعاً بالإرهاب للتغطية على الديكتاتوريات والفاشيات. لكن ما أن ضرب الإرهاب عقر ديار الغرب، حتى انقلبت أحاديث خبرائها المقيمين في استوديواتها التحليلية 180 درجة وباتوا معللين للإجراءات الاستثنائية في بلدانهم التي تتعرض لإرهاب ضار.

وتمتد ظاهرة الخبير الاستراتيجي لتصبح عابرة للقارات والمحيطات. فقنوات الغرب لديها في الشرق جيوش من الخبراء من أصحاب الميول المرجحة لكفة الغرب. ويظهر أولئك مرة لتلميع صورة الغرب لدى العرب، ومرة لتشويه صورة العرب لدى الغرب، وذلك وفق الحاجة. ولا يُستثنى في ذلك احتياج الدول العربية لخبير استراتيجي يجمل وجه النظام، أو يقبح وجه نظام مجاور.

الأكيد أن الإعلام صار أداة ضمن أدوات الحرب (وربما السلام)، ووسيلة ضمن وسائل تعضيد السلطة (وربما تقويضها)، وقناة ضمن قنوات التواصل (وربما الانفصال) بين الشعوب. لذلك لم يعد غريباً أن يكتب الدكتور فلان أو الجنرال علان على صفحته على «فايسبوك» في التعريف بمحل العمل «خبير استراتيجي».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق