مقالات

سامحونا إن تعاطفنا!

Hanan-Kamel

حنان الشيخ

كيف للأحاسيس والتي منبعها أجهزة بيولوجية من المفترض أنها لا إرادية، وإن كانت محكومة بالإرادة والإدارة بالتدريب والتعلم، أن تتجزأ لتتأثر مع ضحية دون سواها، رجوعا لأسباب جدا إرادية تقسم الحكمة والحكم إلى نصفين؛ هذا يعنيني أتأثر لأجله، وذاك فليشرب البحر!

هناك اتفاق على أن الشعوب، أي الناس العاديين، ليس لهم باع ولا ذراع فيما يحصل من جنون دولي صارخ، ضارب في أصقاع الأرض، منتهك كل منافذ العقلانية والفهم. وأن الذين كانوا يعيشون بين ظهرانينا، مفتحة لهم أبواب بيوتنا وطاقات عقولنا، وقلوبنا السمحة الطيبة، مهما كانت مرجعياتهم الدينية والقومية والفكرية، هم أنفسهم الذين حشرتهم يد الانسلاخ والانقسام في خانات لا حصر لها من مسميات، فباتوا بعيدين عنا وهم في نفس أماكنهم، ممنوع أن نلمس خطوط تماسهم حتى لا نصاب بالعدوى، أو نتهم بالخيانة، من قبل “عقلاء” حروب الطوائف و”حكماء” المحاصصات الخلاقة، و”أسياد” النوايا الحسنة!

مئات من ضحايا الإرهاب هي حصيلة جرائم شهدتها الإنسانية في العالم كله، هذا هو الشرح المفهوم والتفسير الذي يقبله العقل والوجدان، وغير ذلك محض انتهاك للإحساس الفطري الرافض للقتل بأنواعه كافة، وكل مسببات حدوثه. وقد كان مستغربا إن لم يكن مستهجنا ردود الفعل من قبل كثيرين للأسف، على المتعاطفين من المسلمين السنة مع ضحايا جريمة برج البراجنة، أو أمثالهم الشيعة المتعاطفين مع ضحايا هجوم بغداد، وفوق كل هؤلاء، العرب والمسلمون المستنكرون لتعاطف عرب ومسلمين مع ضحايا العمليات الإرهابية في باريس، وتلك الأخيرة مربط الفرس!

ما هذا؟ ألهاذا وصلت بنا البلادة والتجمد، بحيث صار بمقدورنا أن نتفرج على صور القتلى من فوق، نرفع بأكفنا رؤوسهم المكفية على الأرض ونقلبها لنرى ونحكم، هذا ضحية مسكينة وهذا يستحق ما جرى به؟! هذا عيناه عسليتان وتلك مكشوفة الرأس، هذه طفلة بريئة وذاك ولد أهوج، هذا بجبهة مستديرة والآخر لحيته نابتة؟ من نحن حتى نتخطى حاجز الدهشة الأول، ونقفز من فوق عتبة الحزن الطبيعي على مناظر الموت، لنقاضي الموتى على موتهم؟ من الخبير العبقري الذي استحدث معادلة أن من يتعاطف مع ضحايا أوروبا، هو بالضرورة ليس مهتما بالشأن العربي وبضحايا الإرهاب الإسرائيلي مثلا؟!

أليس من الذكاد والوفاء، أن نتذكر مواقف تلك الشعوب مع الفلسطينيين في الأحداث الأخيرة، ما دامت الحجة هي توفير الألم وتحويش الحزن لهم وحدهم. أليسوا هؤلاء الذين انتفضوا في مسيرات مليونية جابت شوارع لندن وبروكسل وبرلين وباريس وأمستردام، في أيام العطل التي كنا فيها ننتفض في شوارعنا الافتراضية؟ أوليسوا هم اللوبيات الضاغطة على برلماناتهم وحكوماتهم من أجل مقاطعة البضائع القادمة من المستوطنات، في الوقت ذاته الذي لم تنجح فيه محاولات يائسة عندنا للمضي قدما خطوتين إلى الأمام؟

أوروبا التي تتشفى بها بعض الصدور الغاضبة، تحت عنوان “طباخ السم بيدوقه” ليست سياسات دولية ولا قرارات مصلحية تابعة وحسب، بل هي مؤسسات ومجتمعات وجمعيات، نجح الكثير منها في احتضان قضايا عربية وإسلامية كبيرة، والدفاع عنها بالشكل القانوني السليم، في مواجهة حربها الضروس حتى في شوارع ومؤسسات وإعلام أوروبا نفسها، إنما لا ننكر عليها أنها نجحت في كثير من الأحيان، فلماذا نخسرهم من أجل حفنة شعارات؟

ومثلما حصل في برج البراجنة التي مات فيها سنة وشيعة، فلسطينيون ولبنانيون، كلهم لا ذنب لهم سوى وجودهم في تلك البقعة حين وقوع الحادث، جرى الشيء نفسه هناك، مات أشكال وألوان من البشر لا يعلمه إلا الله تعالى، بيد الإرهاب والسواد. فلا تستكثروا علينا دقائق التأثر، على الأقل لنا أهل هاجروا إلى هناك ذات ضياع أوطان، ولا ضير أن نخاف عليهم.

الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق