مقالات

أيتام اللغة المستعارة

3dc83b30a3b2433baa2fe62716a2817a

عبده وازن

الأدب الفرنكوفوني العربي يبلغ أوجه في باريس. كان كافياً ان يحتل اربعة روائيين عرب مواقع متقدمة في جوائز الموسم الفرنسي ويطرحوا اسماءهم بقوة في «بورصتها» حتى يخترقوا المشهد الأدبي العام ويستأثروا بجزء منه. ولم يكن فوز التونسي هادي قدور والجزائري بوعلام صنصال مناصفة، بجائزة الاكاديمية الفرنسية عن روايتيهما «المهيمنون» و «2084»، إلا تتويجاً لهذه الظاهرة التي احدثها هؤلاء الأربعة ومن ضمنهم الجزائري كامل داود واللبناني شريف مجدلاني. ورواج اسمائهم في حقل الجوائز يعني، عطفاً على نجاحهم الأدبي، تزايداً في ارقام مبيعهم، وتوسيعاً لتخوم «الفضاء» الفرنكوفوني الذي يعاني حالاً من الضيق المتزايد ازاء صعود نجم الانغلوفونية عالمياً.

الا أن كامل داود كان سباقاً في إبهار القراء الفرنسيين والفرنكوفونيين بروايته الفريدة «ميرسو: تحقيق مضاد»، بل هو أحدث حالاً من الحماسة لدى هؤلاء القراء لم تشهدها رواية عربية فرنكوفونية. عرف داود كيف يضرب بذكاء على وتر اللاوعي الاستعماري الفرنسي والذكرى الأليمة التي حملها الفرنسيون معهم عندما غادروا الجزائر بعدما بلغت كلفة الثورة مليون شهيد. استعاد داود شخصية العربي القتيل والمجهول الذي لم يسمّه البير كامو في روايته «الغريب» والذي ارداه بطله «ميرسو» بطلقات مسدسه. بدت الرواية رداً على مأزق العربي «المنبوذ» في الرواية وعلى محنة البطل الذي سيق الى المحاكمة، في آن واحد. وغدت رواية داود أشبه بـ «ضربة» حظ، فهي جلبت الى صاحبها شهرة فرنسية وعالمية وجعلته في موقع المواجهة مع أحد أكبر كتّاب القرن العشرين.

الجو الاستعماري او الكولونيالي لم يغب ايضاً عن رواية هادي قدور «المهيمنون» (دار غاليمار) التي حصدت نجاحاً كبيراً ونالت مديحاً لافتاً في الصحافة الفرنسية، لكنه جو استعماري شبه طيفي، فالكاتب شاء هذا الاستعمار خلفية للوقائع والأحداث جاعلاً من حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى بمشهديتها المتعددة، الحيز الرئيسي للرواية. ولئن دارت بعض أحداث الرواية في بلدة مغاربية متخيلة يتحكم بحياة مواطنيها المستعمرون الفرنسيون، فالرواية في عمقها هي بلا حدود، او بالأحرى رواية «عالمية» تحضر فيها شخصيات اميركية ويتوزع أبطالها-وأحداثها- في بلدان عدة مثل ألمانيا وفرنسا… هذه الرواية يمكن وصفها بجدارية القرن العشرين ترسمها يد روائي متمرس في فن السرد وفي نبش أسرار التاريخ والواقع الراهن. اما رواية اللبناني شريف مجدلاني «فيللا النساء» (دار سوي) التي لقيت بدورها استحساناً لدى النقاد والقراء فهي تسترجع صورة احدى العائلات اللبنانية البرجوازية ذات الحنين الفرنكوفوني، وترصد خط انحدارها بصفته انحداراً لطبقة بورجوازية، سبق الانحدار الشامل الذي كرسته الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. انها رواية العائلة، ولكن العائلة التي تختصر صورة وطن وطبقة وحقبة… على ان رواية بوعلام صنصال تُغرب في جوّ شبه غرائبي واليغوري فيفترض صاحبها قيام بلاد تدعى «ابيستان» تشهد نزول رسالة سماوية تفرض على الناس معايير بشرية غريبة.

تُرى لو كتب كامل داود روايته بالعربية هل كانت لتصيب نجاحاً؟ هذا السؤال لا بد من طرحه إزاء صدور الترجمة العربية لروايته وقد اختير لها عنوان يلائمها عربياً وهو «معارضة الغريب» (دار الجديد ودار البرزخ). قد لا تعني الرواية الا النخبة العربية التي قرأت رواية البير كامو. وهي اصلاً لا تُقرأ إلا انطلاقاً من كونها «معارضة» لرواية كامو، على رغم نكأها العميق للجرح الجزائري الذي لم يندمل. والسؤال نفسه يُطرح على قدور وبوصنصال وسواهم. ويعلم القراء كم يواجه مثلاً داود او بوصنصال في الجزائر من تهم، خطرة أحياناً، تكال لهم عشوائياً.

انها اللغة الفرنسية إذاً، ملاذ قبل ان تكون اداة تعبير. هوية و «بدل» عن اللغة الأم الضائعة. لكنّ ليس كل من كتب بالفرنسية يمكنه ان يحقق هذا الضرب من الكينونة اللغوية. كم من كتب تصدر بالفرنسية عن دور نشر صغيرة وهامشية في فرنسا وفي العالم الفرنكوفوني لا تلقى فرصة ولو ضئيلة للخروج الى الضوء. الفرنسيون، قراء ونقاداً وناشرين، ليسوا متسامحين في ما يخص الكتابة بلغتهم: تكلموا لغتنا واقرأوا بها، أنها لغة عالمية، ولكن عندما تكتبون بها، تذكروا أنها لغة موليير وبودلير ورامبو… والكاتب غير الفرنسي يظل فرنكوفونياً مهما أبدع. هذا قدره. وقلة هم الكتاب الأجانب الذين أسقط الفرنسيون عنهم «شبهة» الفرنكوفونية: صموئيل بيكيت، اوجين يونسكو.

الروائيون الفرنكوفونيون العرب الأربعة الذين سيطروا على جزء من المشهد الأدبي الفرنسي أخيراً ما كان في امكانهم كتابة اعمالهم بالعربية. لقد اتاحت الفرنسية لهم أفقاً واسعاً من الحرية وساعدتهم على الخروج من حصار الممنوع وعلى الانفتاح على العالم. لكنهم سيظلون كتاباً فرنكوفونيين ولن تكون لغتهم الفرنسية الا لغة أمّاً بالاستعارة، حتى ولو اثروها وأدخلوا اليها جماليات غير مألوفة سابقاً.

جريدة الحياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق